محمد العلي

محمد العلي

نحن نعرف أن الذي يوجد خارج الوعي هو المادة وليس الواقع.. فالواقع مفهوم يشمل المادة والروح والمستقبل والماضي.. انه تفاعل الذات مع الموضوع أيا كان هذا الموضوع.. من هنا نبع الانشطار في النظر الى الواقع بين الفلاسفة: فبعضهم وصلت به الهرطقة الى نكران العالم المادي.. وبعضهم الآخر اعتبره ظلالا باهتة لاشجار غير مرئية.. اما الثالث فاعتبره ـ على مضض ـ عالما قائما بذاته.لندع هؤلاء يتراشقون فيما بينهم حتى مطلع الحقيقة ونذهب الى فريقين من البشر.. الاول يرى ان هذا الواقع كله الذي نطلق عليه الوجود او الحياة.. ما هو إلا عبث (لخلو الحياة من أي معنى.. وعدم خضوع الوجود لقوانين عقلية وقواعد ثابتة.. وليس هناك أي انسجام بين طموحات الانسان وواقع الحياة).اما الفريق الثاني فيعتبر ان الوجود كله خلق لهدف محدد (لمعنى) وهو ان يتحرك الانسان فيه ليؤدي الامانة التي عليه.. حسب الآية (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا).الفريق الاول يتكلم من أفق بعيد عن ثقافتنا.. انه الافق (الوجودي) لذا لا يهمنا رأيه.. وهل هو خطأ او صواب.. الذي يهمنا هو الفريق الثاني.. لانه نابع من ثقافتنا.. وعلينا بالضرورة ان نقف على الصحيح او الخطأ فيه.اول ما يقع النظر عليه ويقف عنده هو مفهوم او معنى (الامانة) في الآية.. وليس عندي ـ هنا ـ في لبنان اكثر من تفسير واحد هو (الكشاف) الذي يقول ان معنى الامانة هو (الطاعة.. لانها لازمة الوجود كما ان الامانة لازمة الاداء).في مقال للكاتب فهد عبدالله العون (واظنه شيخا) جريدة الجزيرة 26/2/1422هـ وصل فيه الى ان المقصود بالامانة هو: (التزام الواجبات الاجتماعية وادائها خير اداء) ولم يسكت، بل عقب (ولعل هذا هو التعبير الحديث عن المعنى الذي ذهب اليه اكثر المفسرين، وهو طاعة الله واداء الفرائض التي شرعها).قول هذا الشيخ مهم جدا: فهو قد محا الفرق بين الواجبات الاجتماعية وبين الواجبات الشرعية.. والى جانب هذا فتح ـ جزاه الله خيرا ـ بابا واسعا للسؤال عما يكرره الكتاب المعاصرون من ان المقصود بالامانة هو :عمارة الارض.. والسؤال الذي اعنيه هو: ما معنى عمارة الارض؟عمارة الارض بالطبع لا تنحصر في القيام بنوع محدد من الفعل البشري او مدى منظور من النشاط الانساني.. فهي تشمل كل ما يؤدي الى اسعاد الانسان وتحقيق حريته وكرامته ماديا وروحيا.ان الزراعة والصناعة والاكتشافات التربوية والنفسية والطبية والفيزيائية.. التي جعلت المستحيل يفر من امامها.. كل هذه وغيرها وجوه من عمارة الارض.ولأن الآية الكريمة خاطبت الانسان بصورة مطلقة ولم تتجه الى تحديد نوع محدد زمانا ومكانا وعقيدة ولونا.. لهذا الانسان.. إذن يجب الا يغضب احد عندما نسأل: أي الامم الآن اكثر عمارة للارض؟.mali@alyaum.com