حسن السبع
هل توجد علاقة تكاملية بين الثقافة والعولمة؟ وهل يمكن الإبقاء على ثقافة (نقية) في ظل العلاقات الجديدة التي تشكل الحياة الاجتماعية الحديثة؟ لقد ساهم تطور الاتصالات في النقل والمعلومة إلى تزايد التقارب العالمي المكاني، فهل تؤدي تلك المعطيات إلى عولمة الثقافة، أو تحقيق ما يشبه الهوية الثقافية الكونية؟ هذا ما يحاول جون توملينسون الإجابة عنه في كتابه (العولمة والثقافة) ترجمة د. إيهاب عبدالرحيم محمد، الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت. بين من يكيل الهجاء لمفهوم العولمة من منطلق أيديولوجي أو قومي، فلا يرى في العولمة إلا جشع الشركات متعددة الجنسيات. ومن يكيل لها المديح وكأنها منزهة من السلبيات يقف مؤلف كتاب (العولمة والثقافة) موقف الباحث المرتاب، أحيانا، من بعض الاستعارات المجازية الحديثة مثل «القرية العالمية» و»الجوار العالمي». فالأمر عنده لا يتعلق بغزل أو هجاء، كما هو شأن من يناقش هذه القضايا وله موقف مسبق لا يخدم المعرفة. الأمر لا يتعلق بذلك وإنما بظاهرة تحتاج إلى دراسة تقابل بين وجهات النظر المختلفة.صار الوصول إلى كل بقعة في العالم سهلا إما بوسائط النقل الحديثة، أو من خلال تقنيات الاتصال. تصور كم شهرا احتاج (جنكيز خان) لينطلق من مخيمات قبيلته في منغوليا إلى غزو مدينة فارسية مثلا. غزاة اليوم يستطيعون الوصول إلى أهدافهم وتدميرها في دقائق. تصور كذلك كم كان يحتاج (ابن سينا) من الوقت وهو يتنقل من قفر إلى آخر في طريق محفوف بالمخاطر للحصول على مخطوطة كتاب في الهند. لا يحتاج الأمر الآن إلى ذلك الترحال. وفي بعض الحالات لا يحتاج ذلك إلا إلى تحريك الفأرة الإلكترونية. هكذا استطاعت وسائل الاتصال أن تزيل حاجز العزلة. مع ذلك فإن العولمة لا تعني قهر المسافة المكانية فحسب، بل لا بد من قهر مسافة أخرى هي المسافة الثقافية لتحقيق ذلك التقارب، أو ما يسميه توملينسون بـ (المجانسة) وهي مجانسة تكاد تكون مستحيلة حاليا إلا في حدود عالم رأس المال، حيث يسعى الوسط الاقتصادي العالمي إلى «تقليل الاختلاف الثقافي بحيث يسمح للممارسات العالمية لثقافة الأعمال الدولية بالاشتغال بسلاسة». لكنه يرى ذلك ضربا مختلقا من «القرب». وحين يخرج رجل الأعمال من المطار أو الفندق أو قاعة الاجتماعات باعتبارها «فضاء معولما» سوف يشعر بحدة الاختلاف الثقافي الذي يحتل الحيز الأكبر من الحياة المحلية. هذا تقارب جزئي، وهنالك تقارب جزئي أكثر وضوحا واتساعا هو: «تقارب أذواق وتفضيلات المستهلكين في كافة بقاع الأرض». غير أننا قد نلحظ في هذا الجانب من المستهلكين من يرحب بالبضائع المستوردة، ويرتجف خوفا من القيم المصاحبة لها. لذلك يركز المؤلف على نماذج أخرى من التحول الثقافي تساهم بنصيب أوفر في ما يسميه بـ (الإزاحة) التي تحققها الحداثة العالمية، والتي تؤدي بالتالي إلى ما يمكن أن يسمى بـ (التهجين الثقافي) الناتج عن التفاعل بين كافة الطبقات المكونة للحياة الإنسانية. أما العلاقة التكاملية بين الثقافة والعولمة فتتجلى في «الطرق التي يجعل الناس حياتهم، من خلالها، ذات مغزى بشكل منفرد وبصورة جماعية عن طريق التواصل بعضهم ببعض».بهذا المعنى قد تختفي تدريجيا الفروق الثقافية بين المحلي والكوني، وتتغير طريقة النظر إلى الذات والآخر. وبخلاف الذين يناقشون مفهوم العولمة وغيرها بلغة (جهيزة) التي قطعت قول كل خطيب، يبدو توملينسون أكثر تواضعا وهو يتحدث عن «احتمالية كوزموبوليتانية» cosmopolis مدينة تضم خليطا من عناصر بشرية من كل الجهات. وهي احتمالية يفكر المرء في ظلها ويتصرف كمواطن عالمي مدفوعا بهاجس «الانفتاح على خبرات ثقافية متباينة». وهو أكثر موضوعية عندما يستخدم مفردة (وعد): «هنالك وعد بعالم ذي آفاق ممتدة.. وبتجربة ثقافية كوزموبوليتانية متنوعة وثرية». لكنه يقر باستحالة بلوغ المثال النموذجي للنزعة الكوزموبوليتانية، لأن ذلك (الوعد) لا يلغي الاختلاف والتنوع الثقافي الذي يتعذر إذابته في (قدر انصهار) واحد على المدى القريب. ومن ثم يقترح المؤلف أن يكون المواطن العالمي «كونيا وتعدديا» في الوقت نفسه، أي كونيا ومنفتحا على التعدد الثقافي، فهو، والحال هذه، شخصية ذات بعدين يتمم أحدهما الآخر.