خليل الفزيع
في قوله تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } الخطاب الفيصل في كمال هذا الدين الحنيف، وإن غفا عنه أتباعه زمنا، فإن من حكمة الله أن يبعث فيهم مجددين يعيدونهم إلى الصراط المستقيم الذي غفلوا عنه. وأعلام التجديد في التاريخ الإسلامي أعلنوا حربهم المقدسة ضد كل ما لم يأت به القرآن الكريم والسنة النبوية الكريمة، مع اجتهادهم في تفسير القرآن الكريم، وتصحيح الأحاديث الشريفة، واستبعاد ما علق بها من أحاديث موضوعة وغير صحيحة، لكن وعبر التاريخ الإسلامي أيضا ظهر إلى جانب هؤلاء المجددين فئة أو فئات من المجدفين الذين يستقلون ما وهبهم الله من النعم، والتجديف كما يراه الفراهيدي في ( العين ) كفر النعمة، وهو التقصير في الشكر، مما يؤدي إلى الافتراء على الله ودينه ونبيه، والتجديف بهذا المعنى هو إلحاقهم بالدين ما هو بريء منه، وهم في هذا على جانبين كلاهما على خطأ، أولهما التساهل في أمور الدين وإباحة ما لا يباح، وما ينجم عن ذلك من انحراف في العقيدة وانحلال في الخلق وشذوذ في السلوك، وتفسخ في العلاقة بالآخرين، وثانيهما الغلو وما ينجم عنه من تطرف وعنف وإرهاب وإثارة الفتن الطائفية بين صفوف المسلمين وإقصاء الآخرين، ومن يسلك أي الجانبين هو في حقيقته منكر لنعمة الإسلام وفضله عليه وعلى كل من اتبعه.. وجاهل بأمور دينه غير مدرك لأهدافه السامية وغاياته النبيلة، في الوصول بالبشرية إلى الأمن والسلام والطمأنينة، دون التخلي عن الانضباط الذي تفرضه القوانين والأنظمة للرقي بالمجتمعات، وتحديد واجبات الإنسان وضمان حقوقه.وإذا كان المجددون يتخذون من العودة إلى منابع الدين الحنيف العذبة ومناهله الصافية منطلقا لحياة معاصرة تستفيد من التطور في كل المجالات، فإن المجدفين المنكرين لهذه النعمة الإلهية.. يريدون تعكير تلك المنابع العذبة والمناهل الصافية، باجتهادات لا تستند على دليل شرعي، ولا تستقي مواردها من المصلحة العامة للأمة، وهي المصلحة التي ضمنها الدين لمن اتبعه، وليس لمن اتبع هواه.وكما أبرز التجديد نخبة من علماء الأمة وفضلائها، فإن التجديف قد أبرز أيضا فئة من المفرطين والمتشددين الذين لم يجلبوا على الأمة سوى الدمار الأخلاقي المتمثل في السلوكيات المنحرفة، أو الدمار المادي المتمثل في الاعتداء على النفوس البريئة بالإرهاب والتدمير والعنف، وعند هذا اجتمع الطرفان على الإساءة للإسلام كل بطريقته الخاصة، وإن بدت متناقضة في أساليبها رغم اتفاقها في الغايات والأهداف، وهي غايات وأهداف تظهر الإسلام بغير مظهره الحقيقي.khalfizaia@alyaum.com