محمد الحرز
مجمل المفاهيم والتصورات والمقولات المتداولة في حقل العلوم الإنسانية المختصة برؤية الإسلام للغرب وكذلك العكس في أغلب الحالات, وجدلية العلاقة بينهما من العمق,هي مفاهيم تخضع بالدرجة الأولى في تشكلاتها وانبناءاتها للأيدلوجية السياسية التي هي بحق تمثل سببا حقيقيا في تشويش المخيلة التي تعمل في إنتاج المعرفية لكلا الطرفين وليس بمستغرب شيوع مفاهيم كالأصولية والتطرف والعنف في منطوق الخطابات المعاصرة بوصفها مفاهيم غالبا ما نجدها تعمل خارج سياقاتها التاريخية بحيث يتم توظيفها في غالب الأحيان ضد طبيعتها ووظيفتها الأصلية, وهذا في حد ذاته يمثل إشكالية على صعيد إنتاج المعرفة. إن الأزمة الراهنة تخلق نوعا ً من الفوضى المسيّسة لحساب أجهزة الإعلام الغربية تتأسس من خلالها صورة مشوهة عن الإسلام داخل نسقه الحضاري التاريخي والتي يسميها أركون (أدب الدراسات السياسية الإسلامية الصحفية).حيث وجدت رواجا ً كبيرا ً في أوساط الجماهير الغربية في ظل غياب الدراسات والمناهج (المدرسية والجامعية في كل ما يتصل بتاريخ الأديان ومعرفة الثقافات المتعددة والأساسية في عالم البحر المتوسط ).في الغرب كما يؤكد أركون ذلك .وبالقدر الذي يصل فيه الاستيعاب للإسلام عند الغرب في اللحظة الراهنة إلى حاله من التجزؤ والانتقائية والتشتت وخصوصا عندما يشكل الوضع الراهن للعالم الإسلامي بما يفرزه من صراعات سياسية وتحزبات قومية ومذهبية ذريعة للاستغلال الاقتصادي ذات البنية الاستعمارية للدول السبع الكبرى ,مدعوما ً برؤية للإسلام لا تتجاوز حدود القرن التاسع عشر .حيث هنا تصبح الحاجة ماسة في السياق نفسه لفتح الأبواب للدراسات الفكرية لاحتواء الأزمة وتلمس أبعاد عناصرها وإيجاد الحلول والاقتراحات للخروج من هذه الشرنقة المميتة وهذا في حد ذاته يعطي مؤشرا ً على مدى التحرك الواضح والجاد والسعي الحثيث للمفكرين واشتغالاتهم التي تحاول أن تعمق رؤيتها للأحداث الراهنة ضمن حدود مشروطيتها التاريخية والاجتماعية الثقافية ,الأمر الذي يتطلب جهدا ً كبيرا ً في إيجاد اللحمة أو الصلة الدياليكتيكية بين التاريخ واندفاعاته عبر سيرورته وبين لحظته الراهنة التي تتشكل الأحداث من خلالها ,ولكن هناك أسبابا معيقة قلما تجعلنا نتوجه نحوها من أهمها الفجوة المتزايدة التي نشاهدها حاليا ً والتي تتأسس على النظرة المهمشة للإنسان العربي العادي وهمومه ومشاكله الحياتية اليومية التي تشكل هاجسه الأول والأخير,فيما ترحل بعض الخطابات الفكرية متقافزة عن هذا الهم المشترك في الوطن العربي بعمومه وتصبح بالتالي –هذه الدراسات –تكريسا ً للوضعية الراهنة هذا إذا لم تكن تؤدي الى حالة معاكسة تفضي إلى التأزم أكثر منها إلى الانفراج. مثلا حين يقترح المفكر هاشم صالح ضمن منظوره للخروج من أزمة الوعي العربي الإسلامي أن نقوم بإزاحة (الصورة الأسطورية عن العصر الإسلامي الأول ونقدم صورة تاريخية ,وبدل الصورة الأسطورية التي تحيط بالتراث الفكري والروحي نقدم صورة تاريخية عن كيفيه تشكلها خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة )إن مثل هذه الحلول لا تجدي في تصوري لأن فقدان المعنى وبالتالي العنف الاجتماعي المصاحب له هو النتيجة الطبيعية لعمل مثل تلك الإزاحات وهذا ما حدث للغرب بالدرجة الأولى. هذا أولا , أما ثانيا فنحن ينبغي أن ننظر إلى تاريخنا وامتداده إلى مستقبلنا من منطلقات ومفاهيم وتصورات لها امتدادها التاريخي في التراث وليس من خارجه. خذ على سبيل المثال الدراسات التي تحاول استخدام المناهج التفكيكية في تحليلها للتراث. إن المشكلة لا تكمن في التطبيق نفسه فهذا حق مشروع لا شك فيه , ولكن ما هي نتائجه على مستوى الوعي الجمعي ؟ نتائجه كارثية تفضي إلى نوع من العبث والفوضى نتيجة ضياع المعنى الذي هو المؤسس الحقيقي للروابط الاجتماعية والثقافية لأي مجتمع , وفي حالة المجتمعات العربية الإسلامية أغلب القيم إذا ما كانت جميعها وثيقة الصلة بنصها الأول رغم الإزاحات التاريخية من هنا أو هناك, والعبث بهذه الرابطة شبه العضوية لا تؤدي إلى العقلانية المنشودة كما يدعي أصحابها , ولكن إلى فوضى لا تحمد عاقبتها على الإطلاق. نحن نتفهم بالتأكيد مثل هذه التوجهات في الدراسات ومبرراتها العلمية. لكن خطورة نزع المقدس عن حياة الإنسان العربي يجعله عاريا تماما كما يقول ماكس فيبر. إن المطلوب في تصوري هو وصل السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية التاريخية بعضها مع بعض داخل تاريخنا العربي الإسلامي. ما معنى ذلك؟ معناه توسيع النظرة إلى التاريخ بحيث يتم إسقاط كل نظرة انتقائية مسيسة هيمنت وما زالت إلى وقت قريب على مجمل الدراسات التاريخية للإسلام . وهو الأجدى في النظرة إلى تاريخنا في ظل الموجة الإعلامية الغربية المسيسة ضد الإسلام , وهذا الوعي الذي يمكن أن أسميه استراتيجيا لا يلغي الوعي النقدي الذي يصاحب مثل هذه النظرة , بل يذهب بعيدا عن حالة الاستقطاب التي تربط الأنا بالآخر ربطا إيديولوجيا لا تفضي سوى إلى الاختزال والانتقائية والتوظيف النفعي الآني. إن هذه النظرة نجد صداها في بعض الدراسات الاستشراقية التي وسعت من أفق دراساتها بحيث شملت في خط واحد الأديان الثلاثة في تطوراتها التاريخية , هنري كوربان , شاخت , ميرسيا إياد , وغولدسيهر, وفلهوزن, جميعهم يشكلون مدرسة الاستشراق الكلاسيكي , ورغم النقد الذي وجه إلى هذه المدرسة بنزعتها التشكيكية المغالية تجاه النصوص والمصادر الإسلامية كما يقول هشام جعيط , إلا أنها في تصوري تظل حلقة وصل مهمة في قراءة التاريخ الإسلامي لا يمكن الاستغناء عن طرق التحليل والمناهج بغض النظر عن النتائج والقناعات التي ترتبط بها.Mohmed_z@hotmail.com