حسن السبع
نشرتُ قبل أسبوعين مقالا بعنوان «نِسويَّة أم حالة مَرَضية» هو عبارة عن توصيف لحذلقة بعض المحسوبين على تلك النزعة ذكورا وإناثا. والحذلقة هي (التكيُّس) حيث يظهر المرءُ الحذقَ، ويدَّعي أكثر مما عنده، كما يشرحها ابن منظور. تحولت تلك الحذلقة عند بعضهم إلى أيديولوجيا، لا ترى إلا من زاوية واحدة، وتحولت عند آخرين إلى حالة مرضية بدلا من أن تعالج وضعا شاذا صارت أولى بالعلاج من الوضع ذاته. وقد تلقيت تعليقا على موضوعي ذاك عبر رسالة هاتفية من أحد الأصدقاء. كان التعليق على شكل دعابة تصفني بالرجعية. لم يكن المرسل يعني حرفيا ما يقول، وإنما كان يشير إلى ما سوف يقال عني بسببٍ من سوء الفهم. قرأ صاحبنا المقال قراءة واعية فحظيت منه بتلك الدعابة الظريفة، وحظيت من الشاعرة الجزائرية نورة السعدي بتعليق آخر عبر رسالة إلكترونية يؤكد ما ذهبتُ إليه. وعلى النقيض من تلكما الرسالتين وصلتني رسالة إلكترونية عاتبة يزعم مرسلها أو مرسلتها، لا أدري، أنني أصفُّ في الخندق المعادي لنصفنا الآخر. وهو الشيء الذي توقعته وتوقعه الصديق صاحب الرسالة الهاتفية. وكنت قد أشرتُ، في سياق الحديث عن تلك الحذلقة، إلى أن أولئك الذين يسوّقون لنا التقدم والحداثة هم أشبه بجالب التمر إلى هجر. وهممتُ بكتابة مقال أزيل به اللَّبْس، ثم وجدتها فكرة عقيمة. فالمقال السابق واضح كالشمس في رابعة النهار. وسيكون التوضيح من قبيل تبيين البيّن، وتفسير المفسَّر. وقد لا يكون نصيب التوضيح من حسن الاستقبال أفضل من نصيب المقال نفسه. فهنالك خلْطٌ في التلقي وعسر في الفهم. يتجلى ذلك كله واضحا حين تكتب مقالا فتحرص كل الحرص على أن تكون واضحا ومباشرا وانتقائيا في اختيار الألفاظ، ودقيقا في وضع النقط على الحروف، ثم تفاجأ بمن يحمل المقال ما لا يحتمل من الدلالات. يمكن أن نستوعب مثل تلك القراءة لنص إبداعي حمَّال أوجه يحتمل أكثر من تأويل، وأما ما لا يمكن فهمه فهو تقويل مقال قريب من الخطاب اليومي ما لم يقله. قد يمر بعضهم بالفكرة فلا يفصلها عن قائلها. ولأنه مغرم بـ (تصنيف) الناس، فإن أفكارهم عادة ما تصنَّف في الخانات ذاتها. وقد استأذنت الصديق الدكتور أحمد الشويخات في اقتباس جزء من تعليقه الذي وصلني عبر رسالة إلكترونية. ومن يتعامل مع الدكتور الشويخات عن قرب يعرف أنه صاحب ظرف ودعابة لا تمل. وهي دعابة لم تقف حائلا بينه وبين الإبداع والإنجاز. بل هو «الموسوعي الذي نباهي به مناطق البلاد» كما يصفه الأستاذ نجيب الزامل. وقد لا حظ الدكتور الشويخات أنني لم أسهب في أمر المولعين بـ (التصنيف). يقول في تعليقه على المقال: «كنت أتوقع أن تكون موضوعة التصنيف الجاهز والتهم التلقائية ضمن السياق. لعلك تتذكر قولي: إن كان لا بد من تصنيفي في هذه اللحظة، فماركة (برتقال) أبو صرة قد تكون مناسبة لمقامي المتواضع و لا أبالي!... أما حكايات أنصار المرأة بالحق و الباطل ( عميانياً)، فلا تصدق منها شيئاً، و لا تصدق منهم أحداً». وتتندر بقية الرسالة بما أسماه «بالهوشات البرلمانية الدائمة بين الزوجين الفرِحَين بثقافة الحقوق الحالية للنكد». واختتم تعليقه قائلا: «كل عام و العالم أقل لافتاتٍ وضجيجا»! والحديث عن التصنيف والمصنفين يطول، فلهم مواقف متحاملة شبيهة بموقف ابن الأعرابي من الشاعر أبي تمام. حدثني أحد الأصدقاء عن الروح السائدة في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، أيام كانت وعود (اليوتوبيا) صاخبة، فقال: «كنت لا أطيق قراءة مقالاتك.. بل لأقل: كنت أنفر منك ومن آرائك». ويتابع صديقي البوح بمشاعره تجاهي، آنذاك، ضاحكا فيقول: «أتساءل حين أرى مقالك الأسبوعي في جريدة (الرياض) في بداية الثمانينيات: «ترى ماذا يريد أن يقول هذا المهلوس»؟ كان بعض الأصدقاء آنذاك يتكلمون في الأشخاص ولا يناقشون الأفكار، ومازال بعضهم يفعل ذلك حتى الآن. هاأنذا مازلت أواصل «الهلوسة»، وهاهو الصديق يحرص على قراءة ما أكتب بروح أخرى بعيدة عن جاذبية الانطباعات الجائرة، وفِخاخ التصنيف والأحكام المسبقة. hsn_saba@hotmail.com