خليل الفزيع
مر شهر رمضان منذ فجر الإسلام بعهود وسياسات ودول أثرت على عاداته وتقاليده المرتبطة بما يترتب على الصيام من سلوكيات وممارسات لا تخرج عن إطاره العام ولا تمس واجباته وأركانه. فمنذ أن نزل الوحي على الرسول -صلى الله عليه وسلم -بفرض الصيام، والمسلمون يجلون هذا الشهر ويمنحونه من المهابة والتقدير مالا يمكن وصفه. في العصر الأموي ، استمر المسلمون في تعاملهم مع رمضان كما هو الحال في عهد الخلفاء الراشدين ، فلما جاء العصر العباسي، اتسمت ليالي رمضان بالاحتفالات التي كانت تقام احتفاءً بالشهر الكريم، وكان الخليفة هارون الرشيد على ورعه واحتشامه وحرصه على أداء الصلاة في أوقاتها، وإكثاره من النوافل والسنن حتى قيل إنه كان يصلي كل يوم وليلة مائة ركعة، لا يتركها إلاّ لعلة، فقد قيل أنه كان ولوعا بالتفنن في إعداد وسائل المرح والترفيه البريء لعامة الناس في رمضان، بما يقيمه من ولائم في قصره أو في الحدائق العامة.. تتسم بالبذخ بما لم يعرف له مثيل.وفي عهد أحمد بن طولون كان الأثرياء في مصر يرسلون خدمهم إلى الأماكن العامة قبيل المغرب.. يبحثون عن الصائمين، ويتوسلون إليهم أن يتناولوا الإفطار على موائد سادتهم، فإذا حدث واعتذر أحدهم عن تلبية الدعوة أرغموه أو هددوه، وإن أصر على رفضه أشبعوه ضرباً وحملوه قسراً إلى منازل سادتهم، ليتناول الإفطار وهو مرغم. والخدم الذين يجلبون أكبر عدد من الناس.. لهم حظوة عند سادتهم.وفي عهد الفاطميين، نقلت إلينا كتب السير أن الخليفة المعز لدين الله، كان يقيم ولائم الإفطار في قصره لعلية القوم، ومثلها في المساجد والأحياء الشعبية لإطعام الفقراء والمهاجرين. فإذا جاء وقت السحور كان نصيب الجميع منه مثل نصيبهم من الإفطار .وفي عهد المماليك بلغت العناية بشهر رمضان والاحتفال بلياليه حدا كبيرا، ويؤثر عنهم أنهم كانوا يحرصون على قراءة القرآن من أول رمضان في الجامع الأزهر حتى يختم في ليلة العيد في احتفال مهيب يحضره السلطان وطلبة الأزهر وقضاة المذاهب الأربعة، ثم تفرق الخلع والهبات على العلماء والفقهاء وطلبة الأزهـر والأيتام والأرامل والمرضى والمهاجرين. وفي العهد التركي كانت لرمضان عناية كبيرة، وكان الوالي التركي يهدي إلى جميع الأمراء وغيرهم من الموظفين وكبار القوم في غرة رمضان.. أطباقاً مملوءة بأفخر أنواع الحلوى، وفي وسط كل طبق صرة بها نقود ذهبية حتى تعم البهجة سائر أركان الدولة. وكانت ولائم الإفطار والسحور تقام في قصـر الخليفة طوال الشهر الكريم ، ويحضر إليها كل من يشاء من الناس؛ وكانت هذه المكافأة توزع على جميع الفئات. وحدث في أواخر العهد التركي أن أصيبت البلاد بجدب شديد، فاشتدت الأزمـة الاقتصادية، وتمكن الغلاء من الناس، وكان ذلك في نهاية شهر شعبان سنة 1179هـ ، فلما بلغ الأمر إلى الأمير طاهر باشا الكبير صدر أعظم الدولة العثمانية، أصدر «فرمانا» إلى الولاة بوقف جباية الضرائب لمدة عام، وإعطاء كل محتاج من بيت المال القدر الذي يكفيه هو وعياله مؤنة قوتهم طوال شهر رمضان وأيام العيد. هكذا كانت مظاهر الحفاوة بالشهر الكريم في الماضي.abdullahababtain@yahoo.com