محمد الحرز

محمد الحرز

مقولة الانتماء للوطن. ماذا تعني؟ وقبل الشروع في بحث أوجه هذا الانتماء وتحليله في جوانبه المتعددة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية(نكتفي بالبعض منها في التحليل),نحن ملزمون أن نوضح بالضرورة مبررات طرح السؤال بهذه الصيغة أو بتلك الكيفية. من دون أدنى شك السؤال يحمل صفة الاستفهام.وكأنه يوحي ضمنيا أن هناك ضبابا كثيفا يحيط بمفهوم الانتماء من جهة, أو يحيط بمفهوم الوطن من جهة أخرى, الأمر الذي يجعلنا غير مدركين المعاني والدلالات الكثيرة التي تنتج من تلازم هذين المفهومين في كلمة واحدة أي «الانتماء للوطن». أهذا ما يوحي به السؤال حقيقة. أم أن هناك تأويلا آخر يمكن أن نفسر من خلاله صفة الاستفهام تلك؟ هذا التأويل يبدو لي هو جملة من المخاوف التي تستبطن السؤال من العمق, وبالتالي تعطيه شرعيته في الطرح, ومبررات وجوده بتلك الصيغة. هذه المخاوف يمكن ملاحظتها أو تلمسها من خلال بعض المظاهر السلوكية والكتابية والتعابير اللغوية والجسدية, وبعض التقاليد والعادات الموروثة التي يجلبها الفرد من خزان الهوية أيا كانت مسمياتها: قبلية, طائفية , جهوية, عقائدية..الخ.ربما يجدر بنا في هذا المقام القول بضرورة التمييز بين ما نعنيه من هذه المخاوف من جهة , وبين الوعي بها من جانب الأفراد أنفسهم من جهة أخرى. أي أن ما أسميه مخاوف وهواجس قد لا تكون بوصفها كذلك عندهم , بل ربما هي مخاوف لا واعية , لكننا نعتبرها كذلك , على الأقل ,من وجهة نظر التحليل الذي نتبناه.وحتى نخرج من مستوى التحليل النظري نسوق بعض الأمثلة- نكتفي هنا بمثالين- على مثل هذه المخاوف على شكل صورتين اثنتين.الأولى تتمثل في الأثر السلبي الذي يعكسه التباس مفهوم الوطن في ذهن الفرد داخل مجتمعنا. هذا الأثر يتجسد في الكثير من المواقف, أكثرها وضوحا موقف أفراد المجتمع من ممتلكات الشأن العام. وهو موقف في مجمله يتسم في سلوكه باللامبالاة والإهمال وعدم وضع هذه الممتلكات موضع التقدير والاحترام.وقد يكون لارتباط هذه الممتلكات بمفهوم الدولة دون الوطن في أذهاننا سبب إضافي يجعلنا نتخذ مثل هذه المواقف خصوصا إذا ما أدركنا أن مصطلح الدولة ظل ولا زال في المخيل الجمعي يحمل سمة التأثيم والتجريم.أما الصورة الثانية فيمكننا الاستشهاد بتدني منسوب الوعي عند أغلب أفراد المجتمع بالعمل التطوعي – وليس الخيري- الذي تكون أبرز دوافعه المساهمة في الحرص على الشأن العام والارتقاء به انطلاقا من الرؤية إلى الوطن باعتباره الحلم المتجه إلى المستقبل حيث ينبغي المحافظة عليه بشتى الوسائل والطرق,وذلك من قبيل المساهمة في تشجير المدن ونظافتها ,وكذلك المساهمة في توعية الناس صحيا وبيئيا ومعماريا ورياضيا من خلال الانخراط في المؤسسات والجمعيات الأهلية والأندية.هذا التدني في منسوب الوعي هو أحد النتائج وليس جميعها , الذي ترتفع أسبابه إلى ما أشرنا إليه من ذلك الالتباس .لكن مع تباين بسيط هو أنه هنا يعبر عن فقدان الشكل الحضاري الأرقى لمفهوم الوطن في الدول الحديثة.أما هناك فإنه يعبر عن فقدان الأشكال السلوكية البسيطة والعفوية التي يمكنها أن تتحول إلى نسق متحكم في السلوك إذا ما توفر الوعي بأهمية تلك الممتلكات.لنحاول الإشارة الآن ولو إيجازا إلى ما تتضمنه دلالات الانتماء الذي تكلمنا عنه في بداية حديثنا, وأود في هذا الإطار-أولا- الإتيان بتجربة شخصية كمثال تشير بصورة أو بأخرى إلى ما نرمي إليه من هذه الدلالات. كنت في فترة من فترات حياتي مهووسا بالرياضة وخصوصا كرة القدم مشاهدة ولعبا وتشجيعا, ولم أزل ولكن باهتمام أقل وبوعي أكثر عمقا في الارتباط بها. أتذكر وقتها تماما أن إحساسي بالقلق ينمو في داخلي ويكبر وأكون على وجل كلما شاهدت مباراة للمنتخب. هذا القلق هو نتيجة الخوف من هزيمته في المباراة , أو عدم تسجيله للأهداف أو خسارته لبطولة معينة. في حالة الهزيمة كانت تلازمني كآبة لا تنفك تسيطر عليّ رغم اجتهادي في إخفائها عن الآخرين , وفي حالة الفوز أشعر بفرح غامر لا يوازيه أي فرح آخر. ربما هذه التجربة ليست فريدة من نوعها كي نتخذها مثالا أو معيارا , فهناك الكثير من الأفراد الذين بالتأكيد مروا بمثل هذه الحالة وأكثر والدليل مظاهر التشجيع والشغب في الملاعب بشكل عام .قد يقول البعض إن هذا الفرح أو الكآبة ليس بالضرورة هو شعور بالانتماء للوطن, ربما شيء آخر إلا هذا. قد يكون ذلك إذا سلمنا أننا نملك خيارات أخرى في التعبير عن هذا الانتماء. لكن- على العموم- ما أريد التدليل عليه هنا من خلال هذه التجربة هو كوننا كشباب سعودي وجدنا الرياضة وحدها التي احتضنت روح الانتماء للوطن وغذته بالعاطفة والإحساس بالولاء, بينما- وهنا تكمن المفارقة- لم تنم هذه الروح في ظل ميادين ومجالات أخرى , والتي أبرزها على سبيل المثال مجال التعليم . على الأقل على المستوى الشخصي في ذلك الوقت لم اختبر إحساسي بالانتماء إلى الوطن إلا من خلال الرياضة.ثانيا- يواجه الفرد في مجتمعنا صعوبة كبيرة في التمييز بين مختلف الهويات التي تحدد ملامح تكوينه الروحي والنفسي والتاريخي, وبينها وبين الهوية الوطنية.وبسبب ذلك أي عدم التمييز, وأسباب أخرى أبرزها قلة الفاعلية والتأثير للوظائف التي من المفترض أن تنهض بها الهوية الوطنية عند الفرد إزاء بقية الوظائف والأدوار التي تقوم بها الهويات الأخرى للفرد نفسه. تراكم مثل هذه الأسباب وأخرى غيرها – لسنا في صدد الحديث عنها هنا- أدت فيما أدت إليه إلى ذوبان هذه الوظائف والأدوار في سيرورة الهويات الأخرى : تارة تحمل سمات الوظائف القبلية , وتارة أخرى الطائفية , أو الجهوية في مرات أخرى. لكنها في جميع الأحوال تبقى مفرغة من كل مضمون له دلالة ومعنى في حياتنا اليومية.Mohmed_z@hotmail.com