محمد العلي

محمد العلي

في كتابه (التراث والتاريخ) حدد الاستاذ شوقي جلال معنى الوسطية استنادا الى الآيات القرآنية الكريمة التي ذكرت فيها.. ووصل الى ان للوسطية معنيين:الاول ان يكون الشيء بين طرفين.. أي محدد مكانيا، والثاني ان يكون اشرف من غيره.. وهو المقصود في الآيتين: (قال اوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون ) 28/القلم اي قال افضلهم رأيا.. وكذلك الآية (اطعام عشرة مساكين من اوسط ما تطعمون به اهليكم ) 89/المائدة.ومن يستمع الى الخطابات هذه الايام، يقتنع بأن المراد بـ(الوسطية) هو التميز والافضلية والرفعة.. واذكر انني كتبت عدة مقالات منذ زمن بعيد عن (مفهوم الوسطية) ووصلت في نهايتها الى ان الاستخدام المتداول لمفهوم الوسطية استخدام عشوائي ويحسن ان يعاد النظر فيه وقد كانت تلك المقالات قبل اطلاعي على كتاب الاستاذ شوقي.. الذي بدأت في قراءته هذا اليوم 7/9/8 واحببت اطلاع القارئ على بعض ما ورد فيه من افكار قيمة.(الوسطية فكر غير مستقل)«الوسطية في مجال الفكر تعني احتلال موقع وسط بين طرفين نقيضين، فهي نفي وقبول جزئيين لهذين الطرفين ووجودها مرهون بهما.. اذ تنتفي الوسطية بنفي احدهما او كليهما نفيا كاملا.. ولابد ان يكون وجودها اذ ذاك ايجابيا حتى يتحقق لها الوجود.. بمعنى انه لابد ان تتكامل معهما، وتحرص عليهما حرصا على وجودها اذ لو عمدت الى القضاء على احدهما او كليهما لسقطت عنها صفة الوسطية.. الامر الذي يعني ان الوسطية تستمد مشروعية وجودها من وجود طرفين نقيضين.ويعني هذا اخيرا ان الوسطية تنطوي على قدر من التسامح ازاء التعددية التي تستمد منها وجودها ومشروعيتها.. ثم اخيرا فان الوسطية ضد الثبات او السكون بل الجمود.. لأنها بحكم موقعها الذي هو وليد الحوار المتصل مع طرفين نقيضين.. فهي تتطور من حيث المضمون.. وهي ايضا وبفعل هذا الحوار وحركة النقيضين ابدا.. هي في تغير مطرد من حيث الاطار والموقع.. اي من حيث البنية الفكرية ومسافة الوصل والفصل بين احد الطرفين.. والتغير هنا حركة وليدة تناقض.. ووعي نقدي بالطرفين المتطرفين، وما هو مرفوض او مقبول منهما.. مع ادراك الاسباب.. وهي حركة لا تتم في فراغ ميتافيزيقي بين فكر صوري.. بل رهن الواقع الحي المتجسد مجتمعيا بشريا تاريخيا..»شوقي جلال - التراث والتاريخ ص21/22لا اظن انه قد فاتك التركيز على ان شرط تحقق الوسطية مرتبط بشيئين: التسامح والتغير.. ان التسامح هنا ليس منة كما هو في اذهاننا.. بل هو ضرورة لانه بانتقائه تنتفي الوسطية فهو ضرورة وجود.. اما الثاني فهو التغير.. لأن الوسطية تقوم على نقيضين والنقيضان لابد ان يكونا في صراع دائم اي في تغير وما بني على متغير لابد ان يكون متغيرا..وهنا اسأل:الوسطية التي نتبجح بها اين هي من هذين الشرطين: التسامح والتغير؟افتونا؟