حسن السبع

حسن السبع

أشرت في الجزء الأول من هذا المقال إلى أن بعض حاملات لواء (الحركة النِسويَّة) لا يغفرن أي (مزاح) في مثل هذه القضايا . والمزاح هو ما خالف رأيهن، ولو لبس لباس الجد . أشرت كذلك إلى العجلة في استخلاص النتائج واتخاذ المواقف من الأشياء والأشخاص . وفي حمَّى الاندفاع والتشدد لا يميز المرء بين الدعابة العابرة والموقف . لاحظت، كذلك، أن النزعة النسوية قد تحولت عند بعضهن أو (بعضهم) إلى حالة مرضية، وبدلا من أن تعالج وضعا شاذا أصبحت أولى بالعلاج من الوضع ذاته . وقد تحول ذلك التزمت إلى تكشيرات وعضلات وشوارب، وإلى اتهام من يعارض تلك الحذلقة المبالغ فيها بالعقد المزمنة والانفصام والتخلف . وهي حذلقة لا تميز بين التكافؤ في العقل والذكاء وحرية الإرادة وتلك الاختلافات البيولوجية التي لا تمس جوهر الإنسان . ذلك أن الإنجازات الثقافية والعلمية والإدارية التي حققتها المرأة، بعد أن أتيحت لها فرص التعلم والمشاركة، لا تقلّ عن إنجازات نظرائها من الرجال . إلا أن تهمة الانفصام والتخلف ليست مبررا للتجديف مع التيار، ومجاراة تلك الحذلقة، والتصفيق لها، ليبدو المرء أكثر حداثة واستنارة وتقدما، ويحظى بشهادات الإعجاب المجانية . فالحداثة والتقدم حالة فكرية أبعد ما يكون عنها ذلك الذي يرفع رايتها مقلوبة .. وأبعد ما يكون عنها من يحول الدفاع عن قيمة جمالية إلى شكل من أشكال التزمت، ومن يحول الخطاب المعني بقضايا المرأة إلى خطاب أيديولوجي لا يعنى بإثارة الأسئلة قدر عنايته بتقديم إجابات نهائية، أو من يصل إلى النتائج دون دراسة الأسباب التي صنعتها الظروف الثقافية والاجتماعية والسياسية، وساهمت في تكريس التخلف الذي يعاني منه الجميع ذكورا وإناثا وبنسب متفاوتة . يستوقفني في هذا السياق التصور الذي تضعه جنفييف فريس للمسألة النسوية باعتبارها قضية فلسفية، واستشهادها بفرجينيا وولف . تقول فريس بكل تواضع (وهي فيلسوفة، وكاتبة حول تاريخ جدل جنس الأنثى من وجهة نظر علمية وسياسية) : «والحال أن من سعى إلى الاستقلالية الذاتية، شأن وولف، أدرك من مباشرة سعيه، عدم اليقين، وألفتني أقتبس كلماتها تلك التي تخلط (ضوء الانفعال الأحمر) بـ(ضوء الحقيقة الأبيض) لأشرح كيف صارت مسألة الجنسين (الذكر والأنثى) محلا للنزاع حيث تغدو الحقيقة غير مهيأة لأن تفرض وجودها» . الحقيقة، إذن، غير مهيأة لأن تفرض حضورها . ذلك التأني يذكرنا بنقيضه، فنتشبث بالحكمة القائلة «من يعرف كثيرا يغفر كثيرا» ! ومن يعرف كثيرا لا يضيق ذرعا بوجهة نظر مختلفة أو دعابة عابرة . غير أنه في كل توجه أو أيديولوجيا ستجد أكثر المنتمين إليها اعتدالا وأريحية وتواضعا وسعة صدر أغزرهم معرفة، وأما الحدة فهي من نصيب من هو أقل معرفة . فكأنَّ تلك الراديكالية تعويضٌ عن نقص المعرفة . تأمل، هنا، ما يقوله جوركي عن التواضع في معرض حديثه عن تشيخوف أحد عمالقة القصة : «كل شيء براق، مطنطن، وغريب يضعه الشخص ليضفي مزيدا من الأهمية على نفسه يثير فيه (أي تشيخوف) الخجل . ولم يكن يسمح لنفسه بأن يقول للناس بصوت عال وبصورة سافرة : كونوا أكثر استقامة ! بل كان يأمل عبثا أن يفطنوا بأنفسهم إلى الحاجة الماسة بأن يكونوا أكثر استقامة» .. أفلا يذكرنا (خجل تشيخوف) بنقيضه ؟ بلى .. فبعض الخطاب النسوي ميال إلى الطنطنة والصراخ، وغالبا ما يقول للناس بصوت عال وبصورة سافرة : كونوا أكثر تقدمية ! يقولها لمن هم أكثر تقدمية منه، فهو كناقل التمر إلى هجر . أعود إلى جنفييف فريس التي ترى أن «الإجابات المتسرعة عن تساؤلات لم يكد يستقيم طرحها، هو تكرار لمساوئ الأوضاع القديمة، وقد يقفل المسار الطويل الذي ينبغي للناس أن يسلكوه حتى يبلغوا السؤال الجميل» . وهي تقتبس هنا تعبير الفيلسوف بولان دو لابار. (التذكير والتأنيث / مجموعة باحثين/ ترجمة أنطوان أبو زيد). لكن من الإجحاف المقارنة بين من يبحث في مسائل (النزعة النسوية) بروح الباحث الذي يسعى للتنوير والتغيير القائم على الفهم، وبين من يتخذ من هذه اللافتة حصان طروادة بحثا عن الأضواء عبر شذرات أو خواطر أو كتابة وجدانية أشبه ما تكون بعمل النادبات اللاتي يعملن بأجر.hsn_saba@hotmail.com