حسن السبع

حسن السبع

اقتبستُ، من قبل، هذه اللقطة الكوميدية من مسرحية (شاهد ما شافش حاجة)، وسوف أستعين بها، هنا، مرة أخرى. فقد كان على (سرحان عبد البصير) أن يصف للمحكمة شكل قاتل الراقصة (عنايات). وحين سأله القاضي: «شكل الراجل أيه؟ أوصافه أيه؟» أجاب سرحان قائلا: «هو كان فيه شبه من سيد قشطه» ثم استدرك قائلا: «سيد بيه قشطه.. لا يطلع واحد من معرفتكم والا حاجة وتودونا في داهية.. سيد بيه قشطه وحرمه»! ويهدف هذا الحذر الذي أبداه سرحان إلى سد الباب أمام أية إشكالية محتملة، أو تداعيات غير محمودة العواقب. وهذه اللقطة تصلح مثالا على كثير من المحاذير غير المعقولة في حياتنا اليومية، والتي هي من قبيل لزوم ما لا يلزم. وهي تحفظات تعيق الحرية اللازمة للإبداع، حيث يتم فرض رقابة اجتماعية وذاتية على كل إنتاج فني أو أدبي أو فكري. وعلى الفن أو الأدب، في هذه الحال، أن يراعي كثيرا من الخطوط الحمراء والرمادية المتشابكة، وأن يتفادى التعرض لكثير من شؤون الحياة عملا بمبدأ «الباب اللي تجي منه الريح سده واستريح» وفي الذاكرة سلسلة من الأعمال الفنية العربية التي تم إيقافها إكراما لعيون سيد بيه قشطه ومراعاة لمشاعره، أو اتقاء لهياجه. منح سرحان سيد قشطه لقب (البهوية) ليسد الباب أمام أي إشكال، خشية أن يكون لسيد قشطه صلة ما بأحد السادة المحلفين. وهذه الصلة أو الرابطة هي أم المآزق، لأن حبلها طويل يمتد من البيت مرورا بالحارة وإلى حدود القبيلة أو الطائفة. وفي هذه الحال فإنه لو ورد ذكر (الحارة) في عمل فني ما بشكل لا يعجب أولاد الحارة فسوف يخرج القوم شاهرين القبضات والنبابيت. ولهذا السلوك صلة وثيقة برهاب النقد الذاتي، وهاجس الاعتداد بالذات المؤسس على الوهم. «كأنَّ العالمَ يتحول إلى مسرح في الهواء الطلق يستطيع أن يشاهده كل من يشاء ساعة يشاء إلا في مناطق الظل». ولعل عبارة أدونيس هذه، وإن قالها في سياق آخر، تشرح واقع الحال. في مناطق الظل تلك تزداد كثافة المسكوت عنه. فنتعرف على واقعنا وواقع الآخرين عبر قنوات المعلومات الآتية من وراء البحار. وكأننا بحاجة دائما إلى من يعلق الجرس نيابة عنا. استعرض خارطة العالم وستجد أن أكثر البؤر توترا واضطرابا توجد حيث توجد هذه العصبيات بمختلف توجهاتها. لاحظ، على سبيل المثال، كيف تؤثر العصبيات والانتماءات الضيقة حتى على المسابقات الشعرية. فالناس في مثل هذا المناخ الثقافي لا تنظر إلى جماليات النص بل إلى مؤلفه سيد بيه قشطه باعتباره ابن الحارة أو القبيلة أو الطائفة، ومن ثم تصبح تلك المسابقات أشبه بالحملات الانتخابية التي تتخذ من مبدأ: «اللي تغلب به العب به» منهجا. حتى لو كانت أوراق اللعب لا علاقة لها بالإبداع. مسابقات أدبية في الظاهر، لكنها أشبه بمباراة في كرة القدم، لكل فريق جمهوره، وعلينا أن نشجع فريق الحارة أو المدينة حتى لو كان مستوى أدائه ضعيفا. وإذا كان ذلك مقبولا على المستوى الرياضي، فإنه سلوك مضحك في المجال الثقافي، لأنه لا يخدم الثقافة بقدر ما يكرس العصبيات، وفيه انحراف عن أهداف تلك المسابقات. يبدو أنه كلما نما الوعي، وارتقى تفكير الإنسان خرج من أسار هذه الدوائر المعزولة الضيقة التي ترسمها الروابط التقليدية إلى مدار روابط أخرى أكثر حيوية واتساعا، وهي روابط الاهتمامات والقيم الكونية المشتركة. ويبقى الرهان على الثقافة الخلاقة مبررا. فهي تغذي الوعي التأملي، وترتقي بطرق التفكير، وتعمق شعور الشراكة والتآخي، وتغير زوايا النظر للذات والآخر، كما تصنع الشخصية المستقلة ذات الإرادة الحرة القادرة على تجاوز سياج عالمها الصغير المحدود إلى عالم أكثر رحابة. بهذا الوعي يمكن للفرد أن يكون أكثر ارتباطا بالعالم. سيفكر كمواطن كوني يرتبط بالناس وبالوجود ارتباطا عقلانيا، ويتفاعل مع الآخر المختلف تفاعلا موضوعيا في دوافعه وغاياته. وعندئذ لن يجد أحد مبررا للتحيز أو الانتصار لقريبه سيد قشطه ما لم يشدهما هدف مشترك. فليس الحب، كما يقول اكزوبري، هو أن نتبادل النظرات، وإنما أن ننظر معا في اتجاه واحد. hsn_saba@hotmail.com