خليل الفزيع
قال والدي عافاه الله:لماذا لم تعد للشهر الكريم بهجته؟ ولماذا لم يعد الناس يحتفلون به ذلك الاحتفاء الذي يسر الخاطر ويبهج الفؤاد؟ ولما اختفت مظاهره الجميلة من إقبال على المساجد والإكثار من قراءة القرآن وكثرة التزاور وخاصة بين الأهل والأقارب؟ولماذا اختفت من موائده تلك الأطباق المغذية اللذيذة لتحل بدلا عنها هذه الطباق من الأغذية المصنعة والقليلة الفائدة غذائيا؟قلت لوالدي العزيز:إن الزمان غير الزمان، فقد طرأت على زماننا كما ترى أحداث يشيب لهولها الولدان، أحداث شغلت الناس عن كثير من أمور دينهم وقربتهم أكثر إلى أمور دنياهم والعياذ بالله، وكما يقولون لكل زمان عاداته وظروفه.أجابني والدي عافاه الله:الزمان هو الزمان يابني، لكن الناس هم الذين يتغيرون، بانسياقهم وراء كل جديد وإن لم يكن مفيدا، فهم يأخذون من الجديد أسوأ ما فيه، تاركين كل إيجابيات الجديد لغيرهم من الأمم التي تسابق الريح نحو التقدم في زمن لا يعترف بغير الأقوياء.أعجبني هذا القول فقلت: هذه سنة الحياة حيث لا يمكن الوقوف دائما عند القديم خاصة ما أثبت فشله في مسايرة متطلبات هذا الزمان.أجاب والدي على الفور:لا تعارض بين الأخذ من الجديد أحسنه، والتقيد من القديم بأحسنه أيضا، لكن المسألة لا تعني هذا ولا ذاك، المسألة التي لابد من العناية بها هي المقاصد الدينية من الصيام، بمعنى أن الأهم هو الأخذ بعين الاعتبار ما تفرضه الشريعة في الشهر الكريم من سلوكيات على المسلم التمسك بها ليكتمل صيامه، وليصبح هذا الصيام أقرب إلى القبول بإذن الله، لكن ما نراه هو انصراف معظم أفراد الأسرة في مجتمعنا إلى كل ما هو مسيء لإيمانهم، وضار بصحتهم وهذا أمر ليس من الحكمة أن يغفل عنه رب الأسرة، فعلى الجميع التقيد بالصيام كما يجب أن يكون وكما قيدته نصوص القرآن والأحاديث النبوية الصحيحة. وتساءلت:ماذا تعني بذلك؟أجاب والدي حفظه الله:انظر إلى انصراف الناس إلى متابعة المسلسلات التلفزيونية ليل نهار، وعزوفهم عن ارتياد المساجد وعدم الإكثار من قراءة القرآن، وانظر أيضا إلى تكدس الأطعمة والمشروبات على موائد الإفطار وكأن رمضان مناسبة للأكل فقط وليس للعبادة، واستمع إلى أحاديثهم العامة التي تنصب في معظمها على أمور دنيوية لا علاقة لها بالصيام كعبادة وكوسيلة لتطهير النفوس من السوء والشعور بمعاناة المحتاجين والفقراء، والبذل في سبيل الله، والإكثار من أعمال الخير. ألا يعني ذلك كله خللا في علاقة الناس بدينهم وفهمهم لأهداف الصيام وغاياته النبيلة التي لن تتحقق إلا بالفهم الصحيح لمعنى الصيام الذي بدأ يتحول لديهم من عبادات إلى عادات ما أنزل الله بها من سلطان؟ أين ذلك مما ورد في الأثر: صوموا تصحوا؟ وهنا تذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) وقوله صلى الله عليه وسلم: ( من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ).