محمد العلي

محمد العلي

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى.. لقد تلقيتها على اساس انها صحيحة تماما ولا يرقى اليها الشك.. ولكني اكتشفت بعدئذ ان كل ما اسسته على هذه المبادىء المهتزة لا يمكن الا ان يكون مشبوها, ولا يقين فيه.. وبالتالي فقد قررت بشكل جدي ان انفصل عن تلك الافكار واتخلص منها وان ابتدىء التأسيس من جديد (...) لقد قررت بكل جدية ان أدمر كل افكاري السابقة».لا تكن سريع الانفعال وتلعن صاحب هذا القول باعتبار انه ملحد.. لان من (يدمر كل افكاره السابقة) انسان خرج من محيطه البشري الى محيط الحيوان.. ثم تطالب بتطبيق حق الردة عليه.. لا.. فصاحب هذا القول هو الفيلسوف ديكارت (1596 - 1650م) وهو قد اخرج عالم الغيب والايمان به من دائرة الشك, لانه حصر موضوع الفلسفة في الطبيعة والانسان فقط.. ولا يمكن تجاوز ذلك الى المقدس المطلق, بل اكثر من هذا: انه - بحسب العلامة حسين مروة - يرى ان الحدس هو طريق المعرفة.. مثله مثل اي اشراقي او متصوف.واذن ما الذي يعنيه ديكارت بقوله هذا؟ - انه يعني ما جعلته تحت بعض الضوء في مقال سابق - كما اظن - وهو ضرورة إعادة النظر في أفكارنا, فتوقف الافكار عن النمو والسعي الى النضج المتواصل معناه الوصول الى النهاية التي لا يمكن لاحد أن يصل اليها.دعنا نلق نظرة على واقعنا: هناك سعي حثيث لتطوير مناهج التعليم وقوانين العمل والعمال واساليب القضاء وكفاءة القضاة.. هذا ما نراه ونسمعه يوميا.. فماذا يعني هذا.يعني ان هناك ثغرات, بل اخطاء في هذه المناهج كلها وعلينا تصحيحها, ولن يتوقف التصحيح عند حد.. فالنمو المعرفي هو اكتشاف الاخطاء قبل كل شيء.. هذا مثال من تاريخنا القريب الذي نحن فيه.. فكيف بنا لو نظرنا الى مسيرة التاريخ لألف عام - مثلا - اننا حينئذ سنندهش من كثرة الافكار التي ماتت وشيعت الى مقبرة العدم.. تقابلها الافكار التي ولدت طبيعيا او بعملية قيصرية.. و التي ليست بمنأى عن النقد الذي من الممكن ان يكفنها ويدفنها حية لا ترزق.ان اليقينيات القائمة على كل ما يتعلق بالفكر الانساني ومنتجاته ورؤاه ونظرياته وعاداته المعنوية والحسية.. هذه اليقينيات هي التي ألقتنا في هاوية لاقعر لها من التخلف والتشتت النفسي والعجز الاجتماعي.ان (الاكتشاف الفاصل) الذي مر به ديكارت لابد ان يجربه كل إنسان منا على كل ما في رأسه من افكار وطبعا اؤكد بصورة قطعية على انني لا أعني بهذا أن يكون الفكر ريشة في مهب الريح فالانسان لابد له من اطار ادلوجي يكون بمثابة مصباح يضيء له الطريق وسط كل الافكار.Mali@alyaum.com