حسن السبع
كانت أنظار العالم يوم 8/8/2008 مشدودة إلى ملعب عش الطائر في العاصمة الصينية بكين .. حتى أولئك الذين لا ناقة لهم في الرياضة ولا جمل، وأنا واحد منهم، حرصوا على متابعة ذلك المهرجان المدهش لحفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية .. لم يكن الحاجز اللغوي حائلا دون الاستمتاع بتلك العروض المدهشة، كما كان الحال في علاقتنا بالثقافة الصينية التي، كما يقول هادي العلوي، لم يتهيأ لها (سِريان) يقومون بالوساطة بينها وبيننا، في إشارة منه للدور السرياني في نقل الثقافة اليونانية إلينا .. بقي الحال في علاقتنا بالثقافة والفلسفة الصينية على ما هو عليه حتى العصر الحاضر، حيث الحضور الأبرز للثقافة والآداب والعلوم والفلسفات الأوروبية.كان همّ عشاق الأرقام المميزة والمتفائلين بها البحث عما يربطهم بتاريخ 8/8/2008. منهم من اختاره يوما للخطوبة أو الزواج، ومنهم من تفاءل بمواليد ذلك اليوم .. نقلت الأخبار أن حمَّى الزيجات قد اجتاحت روسيا واستراليا لهذا السبب، تماما كما شهد 7/7/2007 إقبالا مماثلا. وباستثناء هؤلاء لم يكن الحاجز اللغوي عائقا دون الاستمتاع بالعروض الفنية الباهرة لمن كان يبحث في حفل الافتتاح عن الجانب التاريخي والثقافي للبلد المضيف، وعن المعنى الأعمق لهذه التظاهرة الرياضية. افتتحت العروض بعبارات كنفوشيوس ولون بو لتعبر عن حضارة عريقة امتدت آلاف السنين، ولتظهر الجانب العلمي والأدبي والفني دون إغفال ما تحقق على الجانب المادي .. كان حامل شعلة الأولمبياد أستاذ تاريخ الموسيقى الغربية في الجامعة. بهذه المقدمة الطويلة نسبيا أصل إلى اقتراح الأستاذ مساعد العبدلي الذي طرحه في زاويته (دائرة المنتصف) حين تساءل تحت عنوان (أين أدباؤنا من رياضتنا) قائلا: «هل هناك تقارب بين رجال الأدب والنشاطات الرياضية الرسمية ؟» لينفي في سياق إجابته عن هذا السؤال أي شكل من أشكال التقارب قائلا: «أرى تباعدا إن لم يكن قطيعة بين الطرفين». واقترح شكلا من أشكال التمازج بين الرياضي والثقافي تمثّل بدعوة الأدباء للمناسبات الرياضية، وتخصيص جزء من برامج دورات الخليج الرياضية لبعض النشاطات الثقافية .. (الرياضية. العدد 7574 في 25 يونيه 2008). وبما أن مقدمة مقالي هذا قد اتخذت دورة بكين جسرا للوصول إلى هذا الاقتراح الداعي إلى التمازج بين الرياضي والثقافي. فلا بأس من التعليق على اقتراح الأستاذ العبدلي بلغة (التاو) فالأدباء أشبه بالتاويين الذين يبحثون عما يكمن وراء المظهر من جوهر، فإذا استطاعت الرياضة الجمع بين النشاط الرياضي والثقافي أمكن أن تجذب إليها الأدباء. هم يبحثون عما يمكث في الأرض بعد أن يخبو بريق الكؤوس والميداليات الذهبية والفضية والبرونزية. أي أنهم يبحثون عن الجوهري في هذه اللقاءات الرياضية، ويحلمون بترسيخه في عقول المتنافسين على البطولة. ولا بأس هنا من اقتباس ما يقوله أندريه مالرو على لسان صيني يخاطب صديقه الفرنسي قائلا: «إن التفوق بالنسبة لكم هو تفوق رجل السلاح، وتفوق الألم، وبالنسبة لنا هو تفوق الكمال» والكمال بالنسبة لهذا الصيني هو «الوعي بالوجود على النمط الأكثر جمالا». إن ما يتبقى بعد أن يخبو وهج الميداليات هو الجوهر الذي عبرت عنه كلمات أغنية افتتاح دورة الألعاب الأولمبية وهي تحث العالم على التقارب وتدعو إلى المحبة بين البشر على اختلاف ثقافاتهم وألوانهم ودياناتهم بكلمات غاية في البساطة والوضوح: «أنت وأنا.. من عالم واحد.. قلب لقلب.. نحن من أسرة واحدة.. نسافر من أجل أحلامنا.. آلاف الأميال.. نلتقي في بكين.. نأتي سويا.. نشترك في الفرح.. أنت وأنا من عالم واحد.. أسرة واحدة إلى الأبد.» كلمات بسيطة لكنها قريبة من روح لغة التاو الداعية إلى الحب والسلام والناهية عن اتخاذ القوة شعارا: «كل من في البحار الأربعة هم أشقاء». وأن «غابات القتاد تنمو أينما يمر الجيش.. وأن الأسلحة الجيدة آلات للخوف تمقتها جميع الكائنات». كان اقتراحا هادفا يحاول استشفاف ما تستطيع المؤسسات الرياضية أن تحققه من (منتج ثانوي) يخدم الحياة الاجتماعية والثقافية، وينمي الوعي بالوجود ليتحقق تفوق الكمال. كان شعار الدورة «عالم واحد.. حلم واحد». وأراني ألتقي مع الأستاذ مساعد العبدلي في «حلم واحد».. هو حلم الاندماج والتمازج بين الرياضي والثقافي.hsn_saba@hotmail.com