محمد العلي
المقال السابق دار حول تحديد زمن الولادة لكل من قصيدة الهرم محمود درويش وقصيدة الشاب إبراهيم الحسين.. ولم يلمس الحس الدرامي الفاجع الماثل في ثنائية الوجود والعدم اللذين تعبث بهما ثنائية الضرورة والصدفة.. في حين أن هذا هو الموقد الذي تشظت منه التجربتان معا.تعرف الصدفة بأنها (ما يحدث وليس له سبب) أما الضرورة فهي (ما لابد أن يحدث في الظروف المعينة) إذن المسألة تدور حول (السببية) وانتفائها.. ولكن هل يوجد شيء بلا سبب ليكون حدوثه صدفة؟.تقول الفلسفة الحديثة:(.. تنشأ كل ظاهرة بفعل الضرورة الداخلية.. ولكن نشوء الظاهرة يرتبط بتعدد الظروف الخارجية التي تفيد - بسبب طبيعتها النوعية وتعددها اللانهائي- كمصدر للصدفة.. أي السمات والجوانب العرضية للظاهرة المعينة.. ولا يمكن تصور أي ظاهرة بدون ضرورتها الداخلية وبدون متطلبات الصدفة الخارجية على السواء.. فوراء الصدفة هناك دائما ضرورة تحدد المسار في الطبيعة وفى المجتمع..)يفيد هذا النص الفلسفي بأنه ليس هناك شيء يحدث بلا سبب.. أي وجود ضرورة تسبق حدوثه.. ولكن ما يلجئنا إلى القول بالصدفة ليس عدم وجود السبب.. بل عدم معرفته.. ونحن نعرف أن محاولة معرفة الأسباب من النوازع البشرية الايجابية في مسيرة المعرفة كما نعرف أن العجز عن الوصول إلى الامساك بالسبب زج بالانسان إلى أوهام لا حصر لها.. وما الأساطير والخرافات وغابات الميتافيزيقا إلا أصداء للعثرات في طريق الإمساك بالسبب أو الوصول إلى المعنى.لقد سقط التفاح على رؤوس الملايين قبل نيوتن.. وكان سقوطه بفعل الضرورة، وهو الوجود الفعلي للجاذبية الأرضية والنضج الفيزيائي للتفاحة.. فلماذا القول: إن سقوط التفاحة على رأس نيوتن صدفة.. وقد اكتشف الجاذبية صدفة؟ لماذا؟ في حين أن ما يمكن أن نتصور هنا بأنه صدفة هو التفات نيوتن.. ولكن حتى هذا الالتفات ليس صدفة.. فالسؤال عن الأسباب كما قلنا فضول بشري وما التفات السيد نيوتن إلا لضرورة تلك الجاذبية الأخرى التي نسميها الفضول أو الحاجة إلى معرفة السبب أو الوصول إلى المعنى.لنعد إلى النصين متسائلين: هل ينطلقان من الاحساس الحارق بالصدفة وعبثها فعلا.. وهل هذه الصدفة تملأ فضاء النصين معا.. أم أن الضرورة تطل برأسها لا شعوريا من ثقوب بل نوافذ كثيرة في النصين معا؟.لاشك في أن أول ما يملأ القارىء فجاءة ورعبا وغرابة هي تلك الصور الممتدة أفقيا لعبث الصدفة في قصيدة درويش. ==1==كانت مصادفة أن أكون أنا الحي في حادث الباص ==0====0==كان يمكن ألا يكون أبي قد تزوج أمي مصادفة كان يمكن ألا أحب الفتاة التي ==0====0==سألتني كم الساعة الآن؟لو لم أكن في طريقي إلى السينما..==2== وهكذا يضعنا درويش في طريق سيل جارف من الصور الممتدة أفقيا امتداد الثعبان لعبث الصدفة.mali@alyaum.com