نجيب الزامل
.. قلنا في الجزءِ الأولِ إن الخميادو، كانت من أكبر اكتشافات القرن التاسع عشر الفكرية المجتمعية، حين تم اكتشاف مخطوطاتٍ بلغةٍ غير مفهومة، وبعد أن فـُكت طلاسِمُها اندهش العالِمُ الأسباني، وقال: «ما أدهى هؤلاء الموروسكيين (العرب الذين قيل إنهم تنصروا بعد أن دُحر العرب، وتفشي ظلم الكنيسة ومحاكم التفتيش) لقد عاشوا بعزةٍ فكريةٍ، بعد أن حسبنا لقرون أنهم ذابوا وتلاشوا..». ولكنه تاريخ متروكٌ منسيٌ من قبل علماء العرب المختصين بالتاريخ والتراث الأندلسي العريق المتخم بالأناقةِ، والحضارةِ، والفلسفةِ، والفنِّ، والشعرِ، والخيانةِ والدم، بقي منها تاريخٌ مُعتِمٌ، ومحرَّف، وبقي بعقولِنا وفي وعينا على تاريخنا أن الموروسكيين العرب قد اختفوا، أو تشتتوا في الآفاق .. وأن البقية الباقية تأسْبـَنـَت وضاعت إلى اليوم .. ولكن لا، أثبت العربُ الموروسكيون أنهم من أدهى الأعراق، وأن التماسك والتسارّ الذي سرى بينهم فوق أي قدرةٍ من الجماعات البشرية المسجلة في كتاب الحضارةِ البشرية. لم نعرف مطلقا أن شعبا عِرقيا اخترع لغة كاملة يُسجَّل بها تراثـُه، ويتفاهم بها في الخفاءِ، ويقصدون بها، ويغنون بها، ويفسرون كتبهم بها .. أبدا، على الإطلاق. نعم سجل علماءُ المجتمع الإنساني نشوءَ لغاتٍ شِفريةٍ بين عُصـَبٍ وسط المجتمع، كلغة العصابات التي سادت في شيكاغو في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، أو لغات الجيوش المشفرة، أو اللغة السرية التي تفشت بين نساء الصين في القرن التاسع عشر (وأرغب جدا أن أحدثكم عنها يوما، أن يتكلم نصفُ المجتمع النسائي لغة سرية لا يفهمها النصفُ الذكوري الثاني) ولكن كل هذه التجارب لم تسفر عن شمسٍ فكرية بهذا السطوع الشاهق كما فعل الموروسكيون. كيف حافظ شعبٌ كاملٌ مترامٍ من شمال أسبانيا إلى حواف المتوسط ، مقهور، ومدحور، أن يُقيم لغةً كاملةً استمرت قرونا حفظ بها التراثَ والعلومَ وتعاملاتِ الصناع، والتجارِ، ورجال الفكر، وعلماءِ الدين .. حتى الأطفالُ في البيوت كاوا يلـَقـَّنون اللغة السرية.. ولم يتسرب السرُّ أبدا. فعلا كيف ؟! صدقوني يا قرائي أنها من أكبر ألغازِ علماءِ الأنثروبولجيا واللغات، فمن طبيعة اللغات أنها تنتقلُ كما يجري الماءُ في ضمير الأرض. لا نعرف بالتحديد كيف بدأت هذه اللغةُ، ولا من أول من بادر في تأسيسها، وأذكّر قارئي الكريم بأني لست مختـّصا ولا عالما، فما أقوله هو ما اطلعتُ عليه في الآدابِ، وكتب التاريخ وأركولوجيا التاريخ الأجنبيةِ حول هذه الحِقبةِ الغامضةِ المنسيةِ بعد خروج فلول المسلمين إلى ثغور شمال أفريقيا مشردين .. ولم أجد لها أثرا عند المختصين العرب الكبار، مما جعلني أراجع كل ما كتب الدكتور حسين مؤنس، يرحمه الله، العالم المؤرخ المصري حُجـَّة التاريخ العربي في أسبانيا، فأتقن الأسبانية في الطريق .. لا شيء!ولكني صرتُ أعلم شيئا بالتأكيد، أنها تركيب عبقري للغةٍ جديدة من لغات موجودة، ومتفاوتة عبر الزمن .. يا للعبقرية، يا للتفوق على أصعب الظروف .. أؤمنُ بأن العقلَ العربيَّ لا يخبو ولا يفتر مهما تراءى لنا أنه هُزم أو سلـّم وثائقَ الاستسلام. كوّن العقلُ العربي في ظل الخوفِ والرعبِ والتنصيرِ والتذويبِ والسفاح العرقي لغةً اشتقت من اللغةِ القشتاليةِ السائدة، مع المصطلحات العربية المشرقية على الخصوص .. ثم بدهاء الماكرين الأفذاذ وضعوا أفعالها بالرومانية، واحتفظوا لهذه اللغة الوليدة بالحرف العربي .. لماذا العربي؟ لم أجد جوابا بما قرأت، إلا أني أحسبُ مطمئنا هو كي لا تنسى الأجيالُ نـُطق الحروفِ العربية التي لا ينطقها اللسانُ الأعجمي.ثم سموها الخميادو.. وتعني بالأسبانية اللغة المعجومة، المبهَمة، المطلسَمة.إذن لم يتفتت العنصرُ العربي، لم يتنصّر المورويسكيون كاملا، كما كنا نعتقد .. بل أثبت العقل العربي تفوقا في أحط الظروف التاريخية، وتحت نـَيـْرِ ظروفِ الانسحاق والحقد.. وأنـّه كالذهبِ .. يزدادُ وهجاً وبريقا وأصالة كلما نفخَ فيه أتونُ النيران.الخميادو .. عفوكِ، كنتِ سِرّا ، وفشى بك الأسبانُ بكل الأقطار، وأما العربُ فما زلت عندهم في بئرِ الأسرار.najeeb@sahara.com