حسن السبع
حين قال الشاعر الراحل محمود درويش: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».. كان يعني بذلك الأرض الفلسطينية .. وفي فضاء الإبداع الحقيقي يصبح الخاصُّ عامّا، فيعبر عن مشاعر وأحلام وتطلعات البشر جميعا، مهما اختلفت الأمكنة أو تباعدت الأزمنة .. ولولا ذلك لأصبحت الكتابة ذاتية وحبيسة ظرفها وحيّزها الجغرافي الخاص. من حق المتلقي، كذلك، أن يقرأ النص بالطريقة التي يراها، فالقارئ مؤلف آخر.. ومن ثم يجوز لي أن أذهب بالعبارة بعيدا عن سياقها الخاص، ليصبح المعنى : على هذه الأرض (أرض البشر) ما يستحق الحياة.لكن من يتأمل الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي العربي لن يساوره أدنى شك بأن تلك العبارة الجميلة التي تمجد الحياة لا تتناغم مع توجهات الذين التبست لديهم المفاهيم، وغامت الرؤى، واختلطت المعايير، فما يميزون بين الدفاع عن النفس أو عن الأرض والإرهاب، ولا يرون اختلافا بين البطولة والجريمة، ومن الصعب أن يستوعبوا أن البطولة الحقيقية هي حماية الحياة بإرساء قواعد التعايش والاحترام المتبادل بين البشر من أجل عمارة الأرض. وبالتأكيد فإن رؤية الشاعر الروماني تيبيلس Tibullus للبطولة سوف تبدو في نظر صناع العنف وخصوم الحياة رؤيةً انهزامية تبعث على السخرية. البطولة في نظر هذا الشاعر العاشق للحياة تنمية وعمارة للأرض، ومحافظة على النفس البشرية. وهذا ما قد يستشفه القارئ من هذا المقطع: «البطل هو الذي يدركه الكبر في كوخه المتواضع بعد أن ولد له بنون، فتراه يرعى الماشية وابنه يرعى الضأن، وزوجته الصالحة تسخن الماء لجسمه المتعب.. فلأعش حتى تصبح كل شعرة من شعر رأسي ناصعة البياض، وأحدث عن الأيام الخوالي كما يتحدث الشيوخ»!يبدو هذا الكلام رثٌّا وبائساً عند خصوم الحياة الذين التزموا بتحويلها إلى مقبرة. أولئك المرضى بكل شيء لا يتفق مع حقائقهم الخاصة المناوئة لقيم الجمال والحب والقصائد والروايات والمسرحيات والمهرجانات الثقافية ومعارض الكتب والمتاحف والآثار التاريخية والنكات والأطعمة. حتى الأطعمة لم تسلم من الفرز والتصنيف والتحيز.. صنعوا لها (هُويّات) جغرافية، وعاملوها على ذلك الأساس. ولذلك يسخر الكاتب الفرنسي لا بوج من هذه العقلية قائلا: «آكل بشهية لكني لا أحب المانجا، ولا البابايا ولا الفراريج السنغافورية، فلو جئت إلى هذا العالم عند خط الاستواء فإني سأموت من الجوع»! صورة كاريكاتورية تتجاوز حدود العقل والمنطق لواقع خرافي قد تجاوز حدود المعقول. على هذه الأرض ما يستحق الحياة ! فكرة لا يستطيع دعاة التقويض القدماء والجدد (على اختلاف انتماءاتهم) استيعابها، ومن ثم العمل على تحويلها إلى فعل منتج بناء.. لن يستطيعوا ذلك ما لم تهتز حقائقهم المطلقة، وتتغير طرق التفكير التي كانت وما زالت وستبقى تغذي الأزمات، وتشعل الحرائق هنا وهناك. في كتابه (تواطؤ الأضداد) يرى علي حرب أن العقل التداولي لا يتحدث عن حقائق مطلقة، بل عن أفكار قابلة للصرف والتداول والتحول. وعن اقتناع بالشراكة على هذه الأرض. «فالفكرة الخصبة الفعالة والقيمة هي قدرتها التداولية، بحيث نعمل عليها لكي نحسن صرفها وتحويلها إلى وسط للتفاهم وصيغة للتعايش». وتأسيسا على هذا، فإن المنطق التداولي يتعارض كلية مع المنطق القائل: «ونحن أناس لا توسط عندنا.. لنا الصدر دون العالمين أو القبر». (مع احترامنا لأبي فراس الحمداني). كما يتعارض مع المنطق القائل: «ونشرب إن وردنا الماء صفوا.. ويشرب غيرنا كدرا وطينا». (والاحترام موصول، كذلك، لعمرو بن كلثوم). إن التعويل، ثقافيا كان أم سياسيا، على مثل هذا الخطاب المنتفخ وغير القابل للصرف والتداول في هذا العصر سوف يؤدي بصاحبه إلى الموت عطشا (والعطش هنا مجازي). يهتم المنطق التداولي بالنتائج الإيجابية التي تدفع بالغايات إلى الأمام، وقد كانت نتائج ذلك الخطاب المنتفخ بائسة.على هذه الأرض ما يستحق الحياة ! فكرة تقودني تداعياتها إلى سؤال طرحه أنطوان دي سانت اكزوبري في روايته الشهيرة (أرض البشر) يقول: «وأنت.. إلى أية وليمة كنت مدعوا، وأية وليمة يمكن أن يموت المرء من أجلها ؟». سؤال موجه من إنسان يعشق الحياة إلى أولئك الذين يقتلون أنفسهم وغيرهم من أجل (ولائم) وهمية!.hsn_saba@hotmail.com