محمد العلي
اراهن على ان ذهنك حين قرأ العنوان اسرع الى اختلاط المرأة بالرجال او الرجل بالنساء، تاركا وراء ظهره كل انواع الاختلاط مثل: اختلاط الحليب بالماء أو اختلاط الحابل بالنابل.. او غير ذلك من الاختلاطات التي تمتد من الحس الى العقل: فحين يقال اختلط عقله فذلك يعني انه راح يهلوس او يهرطق او يحلق في سحابة من الشطحات.انا أيها السيد – وقاك الله كثرة الاحتمالات – لا اقصد هذا الذي في ذهنك.. اقصد ما سمي في الثقافة الغربية (معركة فصل العقل البشري عن العقل اللاهوتي) فقد قضت اوروبا الف سنة.. لا الف شهر.. وهي في قبضة الذهنية الكنسية وتعاليمها وما تفرضه بالقوة والارهاب الجسدي من افكارها الآسنة.. حتى انسدت امام الفكر كل النوافذ وانطفأت جميع المصابيح واصبح الغرب كله في ظلمات بعضها فوق بعض.يقول روجيه غارودي: ان عصر النهضة في اوروبا لم يبدأ من ايطاليا، كما هو شائع.. بل بدأ من الاندلس.. فهناك، ومن حقل الثقافة العربية، ادبا وعلما وفلسفة.. عرفت اوروبا كيف تبدأ عصر التنوير.. وغارودي حين يقول هذا فهو ينطلق من ميزة عريقة في الثقافة الغربية هي نقد نفسها باستمرار وتعديل أي خطأ في جميع حقول المعرفة ومنها التاريخ.. فكثير من الكتاب والمؤرخين الغربيين يعترفون بفضل الحضارات القديمة في حث خطوات اوروبا الى النهضة.. ومن ثم التنوير..اعود الى الفكرة المركزية لهذا المقال:ان اختلاط الفكر البشري بالفكر اللاهوتي هو معضلتنا الآن.. فأكثر الاجتهادات في شؤون العقيدة، لا الشريعة وحسب، هي اجتهادات بشرية، أي محكومة بمستوى نمو المعرفة في زمانها ومكانها.. أي انها عرضة لاحتمال الخطأ.. ولكنها تلبس عباءة المقدس، وحينئذ يصبح النقاش حولها محاولة اثيمة لاطفاء ضوء الشمس بالافواه.. ويحكم على من يطرح حولها أي سؤال بالكفر.. وقد ساقت الكنيسة من اتهمتهم بالهرطقة الى الحرق احياء..خرجت اوروبا من هذا الكهف المظلم بتضحيات عظيمة.. وبقيت المجتمعات المتخلفة – ترزح تحت انقاض هائلة من الافكار الميتة التي تدعي الخلود.نحن نعرف غوغول (1809 – 1852م) الذي قال فيه احد الادباء الروس (كلنا خرجنا من معطف غوغول) هذا الاديب الكبير تحكى عنه هذه القصة:«كان غوغول يبحث عن الطمأنينة الروحية.. فوقع تحت تأثير كاهن يعتبر ان روحانية الايمان الارثوذكسي هي وحدها الشيء المهم في الوجود.. وان الرواية والثقافة الدنيوية لا معنى لهما.. وهكذا دفعه الى ان يصير راهبا، ويتخلى عن اعماله الادبية التي غيرت مجرى الادب الروسي.. ونظرا لاضطرابه الداخلي اطاع آراء ذلك الكاهن الغبي.. وراح يحرق الجزء الثاني من روايته.. الشهيرة (الارواح الميتة) الذي قضى في كتابتها خمس سنوات.. ولكنه من شدة ندمه على فعلته التي ضج منها ادباء روسيا لزم فراشه ورفض كل غذاء حتى ضمر ومات»..طبعا نحن هنا نهنئ الكاهن ونعزي كل المبدعين الروس، بل مبدعي اوروبا كلها.mali@alyaum.com