الأدب العامي، أدبٌ يستلهم الإبداع من خلال توظيف البسيط من الكلام، والعميق من الأساطير، والخيالي من الحكايات، فينسج لغته ويخلق رمزه، ويعيد ترتيب أخيلته، ويجمع صوره ويصهرها في بوتقة الكلام، ويغرسها في تربة الجمال، ويسقيها من ماء الحياة فتنمو وتتبرعم وتخرج في إبداع جميل يؤثر في النفوس ويحرك المشاعر فترنو إليه لحاظ القوم وتستهوي مفازاته ومراعيه أغنام وعيهم ومواشي إدراكهم. هكذا هم البادية وهكذا هي نظرتهم للأدب وللشعر خاصة.
وإذا تحولنا إلى الشعر وأبياته وبحوره وموسيقاه وألحانه، نجد بعض هؤلاء البدو العوام، بل لا أظن أنني جافيت الحقيقة عندما أقول الرعيل الأول منهم، وأقول الرعيل الأول لأسباب منها: الأول أن البادية القدماء لا يطلقون لقب شاعر إلا على من يستحقه بجدارة، أما من جاء بعدهم كما هو ملاحظ ومشاهد، ففيه الغث والسمين والسليم والسقيم، والمقفر العارف، والمفقد المجرب الخبير فقد جاء في أمثالهم:
1- (وراء الشفاء نقادة) أي الجزل من الكلام، وما يحقق الهدف له من يتعرف على ملامحه ويفهم معانيه.
2- (لك القفرة) أي التحليل أي تقفر الكلام لتصل على حقيقته إن كان مفيدا نافعا أو غير ذلك.
3- (للهرج مفقدة) أي يتفقدونه ويعرفون مضمونه ودلالاته وما تؤول إليه إشاراته.
أما من جاء بعدهم فلم يعط هذه الجوانب أي اهتمام، ولهذا السبب تدنى مستوى الشعر ومستوى الإبداع واختلط الحابل بالنابل، ولم يعد الشاعر هو ذلك السيد الذي لا يمكن أن يحمل لقبه إلا من هو جدير به.
ثانيا: أن الشاعر القديم كان لسان قومه ووسيلتهم الإعلامية الوحيدة التي كانوا يعولون عليها كثيرا لنقل تجاربهم وبطولاتهم وبث الحماس فيهم ويعرّف الناس بعاداتهم وأخلاقهم وما يتحلون به من الكرم والشجاعة والشهامة والمبادئ السامية النبيلة ويبرز مآثرهم.
أما اليوم فقد انحسر دور ذلك البطل والفارس المغوار، وسقط من جواده، ولم يعد يحظى بالمكانة اللائقة التي كان يتمتع بها، وهذا الانحسار في دور الشاعر عجّل بدوره في موت الناقد، مما جعل الناقد يفتقد دوره في تفحص الكلام، فسقوط الشاعر أسقط المفقد (الناقد)، وبالتالي سقط الشعر، فلم يعد هو الوسيلة الهامة من وسائل ذلك البدوي.
سعد الجحدلي
شاعر وناقد سعودي
وإذا تحولنا إلى الشعر وأبياته وبحوره وموسيقاه وألحانه، نجد بعض هؤلاء البدو العوام، بل لا أظن أنني جافيت الحقيقة عندما أقول الرعيل الأول منهم، وأقول الرعيل الأول لأسباب منها: الأول أن البادية القدماء لا يطلقون لقب شاعر إلا على من يستحقه بجدارة، أما من جاء بعدهم كما هو ملاحظ ومشاهد، ففيه الغث والسمين والسليم والسقيم، والمقفر العارف، والمفقد المجرب الخبير فقد جاء في أمثالهم:
1- (وراء الشفاء نقادة) أي الجزل من الكلام، وما يحقق الهدف له من يتعرف على ملامحه ويفهم معانيه.
2- (لك القفرة) أي التحليل أي تقفر الكلام لتصل على حقيقته إن كان مفيدا نافعا أو غير ذلك.
3- (للهرج مفقدة) أي يتفقدونه ويعرفون مضمونه ودلالاته وما تؤول إليه إشاراته.
أما من جاء بعدهم فلم يعط هذه الجوانب أي اهتمام، ولهذا السبب تدنى مستوى الشعر ومستوى الإبداع واختلط الحابل بالنابل، ولم يعد الشاعر هو ذلك السيد الذي لا يمكن أن يحمل لقبه إلا من هو جدير به.
ثانيا: أن الشاعر القديم كان لسان قومه ووسيلتهم الإعلامية الوحيدة التي كانوا يعولون عليها كثيرا لنقل تجاربهم وبطولاتهم وبث الحماس فيهم ويعرّف الناس بعاداتهم وأخلاقهم وما يتحلون به من الكرم والشجاعة والشهامة والمبادئ السامية النبيلة ويبرز مآثرهم.
أما اليوم فقد انحسر دور ذلك البطل والفارس المغوار، وسقط من جواده، ولم يعد يحظى بالمكانة اللائقة التي كان يتمتع بها، وهذا الانحسار في دور الشاعر عجّل بدوره في موت الناقد، مما جعل الناقد يفتقد دوره في تفحص الكلام، فسقوط الشاعر أسقط المفقد (الناقد)، وبالتالي سقط الشعر، فلم يعد هو الوسيلة الهامة من وسائل ذلك البدوي.
سعد الجحدلي
شاعر وناقد سعودي