محمد العلي
الهرب هو الفرار من مواجهة خطر ما.. وهو من الصفات التي تلطخ صاحبها.. وإن كان التعبير الجاهلي (الكر والفر) يضفي على الفرار إذا أعقبه إقدام وكر صفة بيضاء.. باعتباره خدعة للعدو بإظهار الضعف ومفاجأته بعد ذلك بالقوة.. وقد استعرت (الهارب) عنوانا لهذا المقال من مسلسل قديم كنا نتابعه بشغف، وهو يحكي قصة رجل (بطل المسلسل) اتهم بقتل زوجته زورا فهرب من مجموعة من الفخاخ كانت تنصب للقبض عليه.أقصد بالهارب هنا الكاتب في زماننا هذا الذي يجب عليه أن يقول تلك العبارة التي نحتها الغزالي (ليس في الإمكان أبدع مما كان) وإلا أصبح هدفا لفخاخ كثيرة أنى سار قلمه في فجاج اللغة وغابات المجاز.. إن كتاب هذا العالم العربي البائس المترامي الأهداف يتمثلون في كل حين بقول بشار:==1==كأن مثار النقع فوق رؤوسنا==0====0==و(أسيافهم) ليل تهاوى كواكب==2==إن (هم) هذه التي احتلت بيت بشار عنوة لا تعني ثلة واحدة من حرس الرأي الواحد أو حرس الحقيقة المطلقة أو حرس المعرفة المفرغة.. إنها تعنيهم جميعا.. فالكاتب لا يعرف من أين يدخل السهم في خاصرته، بل الأقسى من هذا أن يكون المجتمع في الكويت - مثلا- متقدما فى ذهنيته ورؤيته على البرلمان الذي هو مشغول بوضع الكوابح في عجلة التقدم.ولا عجب من هذا فقد مر المفكرون الغربيون بمثله.. بل بأبشع منه فقد حرق بعضهم أحياء وعذب آخرون حتى الموت وأرغم فريق ثالث على التراجع عن أفكاره وإلا سيق إلى الموت بحجة أن تلك الأفكار مخالفة لأفكار الكهنة المعصومين من الزلل.. وبقيت الأرض ثابتة والشمس هي التي تدور حولها على الرغم مما توصل إليه العلم من عكس ذلك وبقي بطليموس متربعا في رؤوس الكهنة إلى أن انفجر العلم انفجاره الفاصل في النهضة الأوروبية.إن كل ذنب فلوتير في نظر الكنيسة أنه دعا إلى حرية المذاهب وإلى التسامح في الدين.. فهدده حراس القبور حتى إنه نشر عدة كتب بدون اسمه.. بل إنه بنى كنيسة صغيرة في منزله وألقى فيها عظة الأحد لكي يصرف أنظارهم عنه.بل إن ديكارت من قبله جرفه الرعب حين سمع عن موقف الكنيسة من غاليليو فغادر فرنسا خائفا يترقب إلى هولندا لأنها كانت أكثر انفتاحا من باريس في ذلك الوقت.. بل إنه نشر كتابه (مقال في المنهج) بدون توقيعه.. وقد حزت هذه الواقعة في نفس فولتير نفسه الذي يقول:(أنا أتصور جيدا أن متعصبين ينتسبون إلى فرقة يذبحون المتحمسين المنتسبين إلى فرقة أخرى (...) أما أن يضطر ديكارت إلى الفرار إلى هولندا ليفلت من غضب الجهلاء (..) فذلك هو العار الدائم الذي يلطخ أمة).يا أحفاد فولتير:(حنونا من حناكم).Mali@alyaum.com