محمد العصيمي
أنا (أحسد) الأمير سلطان بن سلمان على هدوء أعصابه في التعامل مع معطيات السياحة الوطنية، وأغبطه على هذا التفاؤل بمستقبلها، وهو تفاؤل لا يجيده في بلادنا إلا من بلغ صبر أيوب وحكمة لقمان وسعة صدر غازي القصيبي. في كل تصريح للأمير المعني بالسياحة وهيئتها أصاب بدوار من نوع خاص: دوار لا تنفع معه كل الصيدليات المقيمة والمناوبة، لأنه لا ينفك يضع أمامي مشاهد سياحتنا الوطنية التي لا تزال تكتفي من غنائم السياحة بالسيارات المعدلة وجماهير الرجال الغفيرة التي تأكل الشعر الشعبي والمفاطيح وتعود إلى ديارها مفعمة بالكروش والإرهاق والخسائر المادية الجسيمة. ومع ذلك الأمير العزيز متفائل بأن البلد سيشهد تطورا سياحيا مرموقا خلال السنوات القليلة القادمة، إلى درجة أنه اعتبر تلك «الجمرة الحارة» التي استلمها أول الأمر تحولت إلى «فرصة حارة» تدر الخير على الوطن والمواطن. وإذا كنت أدرك ذلك اللهيب المبكر الذي أحرق أصابع الهيئة العليا للسياحة فإنني أعتقد أن تلك الجمرة ما زالت تحت الرماد، فالسائح المحلي أو الزائر من الدول المجاورة تكويه نار الأسعار ويزعجه مستوى الخدمات وتقليدية البرامج. والآلاف من هذه البرامج، بالمناسبة، لا تشمل المرأة السائحة من قريب أو بعيد، فالمرأة، وهذه مفارقة سياحية عجيبة، تغيب تماما عن المشهد السياحي العام الذي يحضره زوجها وأبناؤها، مع أنني شخصيا لا أعترف بسياحة أو برامج سياحية لا أتأبط بها زوجتي أو تتأبطني، فهي مثلي تحتاج إلى الترفيه والتنزه بعد عناء عام كامل من العمل ومكابدة الأولاد، فضلا عن مكابدتها لغثاثتي.الأمر الآخر، الذي يفت في عضد سياحتنا الوطنية، هو غياب التصنيف لأماكن الإقامة، وبالتالي غياب الأسعار المناسبة تبعا لهذا التصنيف، فأنت قد تسكن في أبها، لتأكل الشعر الشعبي والمندي وتشاهد السيارات المعدلة، بنفس السعر الذي تسكن فيه على طرف من بحيرة جنيف أو نهر التايمز أو أعالي برمانا. ولك في هذه الحالة أن تحسب فرق السعر هناك إن حصل لصالح الطقس العليل والخدمات الراقية والخضرة والوجوه الحسنة. أو تحسبه إن شئت لصالح الماء الزلال الذي يأتيك هنيئا مريئا بدلا من أن (تُروّي) من دورات مياه المسجد القريب من الشقة التي تسكنها على تلة نائية في جبال عسير. وأخيرا، هناك، لن تدخل مطعما أو كافيتريا أو حتى دارا للقهوة إلا وتتمنى عدم الخروج منها لما هي عليه من الديكور والنظافة والخدمة. أما عندنا فلن تجد، في الغالب، مطعما تأمن فيه على صحة معدتك وسلامة أولادك، فكله صابون طالما أنت سائح مضطر للأكل والشرب والتلبك والمغص. أما إذا بحثت عن التنوع الذي يصل العشرات في شارع سنغافوري واحد، فسوف تجد عندنا، في بعض المناطق، بين كل مطعم بخاري وآخر مطعم مثلوثة. وإن أنسَ لا أنسَ تلك التصرفات التي يتبرع بها بعض مشغلي المواقع المحسوبة على السياحة، والتي تتدخل في قناعات بعض السياح وطريقة معيشتهم.ومع ذلك، مع كل هذه النواقص الكبرى، يضع سلطان بن سلمان خطة عشرينية لتطوير السياحة الوطنية، ويدلي بتصريحات شديدة التفاؤل في المستقبل. كم أتمنى لو أملك قلبه وجسارته وصبره الكبير. osaimin@yahoo.com