مطلق العنزي

مطلق العنزي

لا تشغلهم أعمال مهمة .. لهذا فهم «فاضون» و«يتفرغون» لرصد الهفوات وتحويلها إلى نقائص .. ويجتهدون كثيراً في البحث عن السلبيات وأحياناً تعمي عيونهم الشبهات الصغيرة عن الخيرات الكبرى. ودائماً يرسّمون أنفسهم «مديرين» للحياة وقيّمين على الناس.هؤلاء هم أعداء النجاح. وأعداء الحياة وأعداء الإبداع. و«يتقون» بالشبهات التي عادة يخترعونها.بدأت الأصوات تنعق وتثير الغبار حول إعادة الحياة إلى «سوق عكاظ». وجاء الرد الأبلغ من صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة. وكان رده «أقول لهم.. سلاماً».وكان يفترض، دائماً، أن يكون الرد على هؤلاء الفارغين، كلما رفعوا أصواتهم النشاز، هو «سلاما».وقال شيخنا الرائع والممثل اللائق للعالم المسلم، الشيخ عبدالمحسن العبيكان، أن سوق عكاظ من المكارم. وليس إحياء للجاهلية. وكان سوق عكاظ يمثل الروح الإبداعية المتطلعة للنور في عصر الجاهلية، حيث كان الشعراء يأتون ويعرضون أشعارهم ويتناقشون في علوم البيان والإبداع والفن الشعري.جاء حسان بن ثابت، وكان غلاماً، إلى النابغة الذبياني في سوق عكاظ يعرض شعره قائلاً:لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحىوأسيافنا يقطرن من نجدة دمافنقده النابغة قائلاً: أقللت جفانك وسيوفك هلا قلت «جفان» و«سيوف» (لأن الجفنات هي الجمع لأدنى العدد، أما الكثرة فتجمـع على جفان، وكذلك الأسياف لأدنى العدد، والكثرة سيوف). وأضاف النابغة: وقلت «يلمعن في الضحى» ولـو قلت: يبرقن في الدجى لكان أبلغ، لأن الضيف في الليل أكثر، وقلت «يقطرن من نجـدة دما» فدللت على قلة القتل، ولو قلت: يجرين لكان أكثر لانصباب الدم.وأنشدت الخنساء في سوق عكاظ : قذى بعينيك أم بالعين عـوارذرفت إذ خلت من أهلها الدار فقال النابغة: لو أن الأعشى لم ينشد قبلك لقلت إنك أشعر أهل الموسم.وكان حسان بن ثابت شاعر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والخنساء من خريجي سوق عكاظ.. وكان (صلى الله عليه وسلم) يستمع إلى شعر الخنساء ويطلب المزيد بقوله «هيه يا خناس.. ويوميء بيده».كان سوق عكاظ «أكاديمية» وجامعة إبداعية نقدية، ومناسبة لتعارف الشعراء والناس واجتماع زعامات القبائل. وكان مناسبة لتهدئة الأنفس الثائرة وإصلاح ذات البين بين الخصوم.وإحياء سوق عكاظ هو أبرز الإنجازات الحضارية في السنوات الأخيرة .. لأنه جزء من وجدان الأمة وأحد أشهر الإنجازات .. فكم انسكبت في هذه السوق أحلام وآمال ودموع. وكان عقده مهرجاناً عاماً ومناسبة يستريح فيها الناس من الحروب والخصومات ليستمتعوا بالشعراء الذين يقدمون. وتركانت الصحاري تمتد.. بيد بعدها بيد..وكانت الثريا خريطة المطي وسلوى السرى..إذ يودع طرفة والأعشى والخنساء نياقهم، وييممون عطر الأراك .. حيث تحتفي عكاظ بتجليات الروح. وإذ اللغة تتحول إلى صور وجد خالدة ومثل للعطاء.malanzi@alyaum.com