واس - مكة المكرمة

قال إنه تقيؤ لباطن متخم بالغل والغرور والتشفي والانتصار الزائف

الفهم المقلوب لمعنى حرية التعبير لا يمت للحرية بصلة

قال إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ د. سعود الشريم إن الناظر فيما تعانيه أمة الإسلام من احتراب مقروء ومسموع، وتلاسن لا خطام له ولا زمام ليلحظ دون ريب أن من أبرز مهيجاته، وأدعاها لإشعال فتيله هو خطابَ الكراهية المنتشرَ في أوساط متحدثيها وذوي أقلامها انتشار النار في الهشيم، ذلكم الخطاب الذي لا مصلحة فيه مكتسبة، ولا نفعا مقنعا يرجى، بل إن أرقى ما يصل إليه من درجة أنه غير حسن ولا صالح ولا نافع، بل هو رقية نزغ الشيطان بين صاحب خطاب الكراهية والمخاطب، مشيراً إلى أنه لن يكبح جماح هذا النزغ ويقفَ حاجزا دونه إلا الخطاب بالتي هي أحسن.

اضطراب خطابي

وأضاف إن أي مجتمع ينشد استقرارا في المعرفة، وتوازنا في الحوار، واستيعابا لاختلاف التنوع حري به أن يستمطر أسباب ذلكم، فإن ما يصيبه من اضطراب خطابي أو يحل قريبا من داره ما هو إلا إبان غياب ذلكم الاستمطار الذي يدفع الخلل أو يرفعه.

تحريض وفتنة

وأوضح فضيلته في خطبة الجمعة أمس أن خطاب الكراهية هو كل قول مقروء كتابة أو مسموع لفظا يثير تحريضا أو فتنة أو عنفا أو ازدراء أو عصبية أو تمييزا بين الأفراد أو الجماعات، وأن خطورة مثل هذا الخطاب تكمن في إرباكه للأمن الفكري والأمن الاجتماعي المؤثرين جميعا في النسيج المعرفي والتجانس الاجتماعي، وعليهما بعد توفيق الله معول المجتمعات في أصل الاستقرار، وبهما تدرأ الفوضى في ثنايا وسائل التواصل بين أفرادها ومجموعها.

غلو حانق

وبين د. الشريم أن خطاب الكراهية إذا كان شارداً عن محور الوسط والوسطية عرف بأن سبب إذكائه إما غلو حانق وإما انحراف ساقط ليصبح الخطاب الوسطي ضحية كلا طرفي خطاب الكراهية، فالمغالي: يراه خطابا منحرفا لأنه دونه في الغلظة وضيق العطن، والمنحرف المجافي: يراه خطابا متشددا لأنه لا ينزل إلى بذاءته وانفلاته، وقال: كلا الخطابين عباد الله تلفِظهما الأسماع الرشيدة، وليس لهما رجع صدى في أسماع النبلاء ذوي الرزانة والتثبت، وأما الخطاب الوسطي فإنه يمر كالبرق من الأذن إلى القلب، ولا غرو في ذلكم فلسان الصدق أمضى الألسن، ولا يكون إلا في العلو دائما «وجعلنا لهم لسان صدق عليا».

إيصال المنفعة

وأكد فضيلته أن من أراد لخطابه القبول عند الناس، والأثر البالغ في إيصال الغاية النبيلة، فليجعله مبنيا على الإشفاق بالناس لا الإسفاف بهم، والحرص على إيصال المنفعة إليهم لا الإضرار بهم، وإحاطته بالرحمة لهم لا القسوة عليهم.

فهم مقلوب

وأفاد د. الشريم أن فهم أقوام معنى حرية التعبير فهما مقلوبا لا يمُتُّ للحرية بصلة ولا هو من بابه في ورد ولا صدر، حتى أنهم جعلوا من أعراض الناس وحرماتهم وبواطنهم كلأ مباحا ووردا مشاعا يصدر منه رعاء التحريض والسباب والتعيير، ويسقي منه المهوشون المشوشون وأغرار القيل والقال، وخطاب الكراهية يفض ولا يجمع، يبعد ولا يقرب، يفسد ولا يصلح، إنه كحصى الخذف يفقأ العين ولا يقتل الصيد.

بركان هائج

ولفت فضيلته إلى أن خطاب الكراهية سلوك المسف وسلاح النزق، وتقيؤ لباطن متخم بالغل والغرور والتشفي والانتصار الزائف، كما أنه ليس مرضا وراثيا لا إرادة للمرء في رفعه، بل هو مركب من خليط مزاجي يغذيه فكر جانح ونفس مضطربة.

شريعة غراء

وقال: إن من فضل الله على أمة الإسلام أن كانت بشريعتها الغراء أبعد ما تكون عن خطاب الكراهية، ولا عجب في ذلك فقد قال الله عنها «وكذلك جعلناكم أمة وسطا» أي عدولا خيارا، فبالعدل يقسطون في القول والحكم على المخالف، وبالخيار يقسطون في العمل والأخلاق مع الغير، لكن الخلل الذي ينتاب مجموعها إنما هو نتيجة شرود عن استحضار ذلكم الفضل والتزام مساره فاعترى بعضَهم العدولُ عنه إلى ما لا يحمد.

نظرة سلبية

وأبان د. الشريم أنه قد انتشر في هذا الزمن نظرة سلبية من غير المسلمين تجاه الإسلام وأهله، فأذكت تلكم النظرة خطاب كراهية ضدهما، حتى أضحى سمة بارزة في عدد من وسائل أولئكم، حيث كثر الحديث عنها وعن دوافعها، فلم يخرج الأمر عن أن الذي يغذي خطاب الكراهية ضد الإسلام والمسلمين إما عمق عقدي، وإما ردة فعل عكسية لأغلاط غير مقبولة من أناس ينتسبون إلى الإسلام، وإما بالأمرين معا.

صورة إيجابية

وقال: إن من المؤسف عباد الله: أن كثيرا ممن يخالط غير المسلمين لا يعكس صورة إيجابية عن الإسلام بما يقع منه في أفعاله وأقواله وأخلاقه، إنهم لا يصلهم منه معنى سماحة الإسلام، ولا عالميتِه، ولا عدله، ولا شموليته، ولا كماله في كل زمان ومكان، ومن هنا وجب على أهل الإسلام عامة، وأهل المعرفة خاصة، أن يكونوا صورا مشرقة للإسلام في ديار غير المسلمين، عبر الخطاب الوسطي، والقلم المعتدل، والتعامل الحميد.