نجيب الزامل

نجيب الزامل

(حديث الأربعاء).. ما الذي جرى في الفترة التي تلت العام 1609م في أسبانيا بعد أن غـُلبت تماما الأمة الأندلسية العربية؟ لم يقل لنا تاريخنا؟ لم يخبرنا مختصٌ بالحضارة الضائعة؟ لا يمكن أن تتبخر كل آثار العرب بعد تلك الفترة، ونعرف أنه عاش بعد الاندحار الأخير المريسكيون، وهم العربُ الذين أجبرتهم الكنيسة و»ديوان الرقابة» على التنصر.. وخلع دينهم الإسلام. و»ديوان الرقابة» هذا هو ما يسميه الغربيون والأسبان على الخصوص، وما نعرفه نحن باسمهِ المزعزع الرهيب: «محاكم التفتيش.» حيث نـُكـِّل بالمسلمين تنكيلا لا يمكن أن توصف شنائعُه.. ولم نعرف بالدقةِ والتحديد كم من الأرواح أُزهِقت، وكم من الدماءِ فاضت.. لأنه عُتـِّم عليه كثيرا. ونحن، ولله الحمد، كعربٍ نتصفُ بالسلوان حتى تنمحي من ذاكرة حضارتِنا معظم ما أنجزته حضارتـُنا. بعلمي القاصر لم أعرف عربيا مؤرخا أو أنثربولجيا أو لغويا أو عالما دينيا أو مختصا بالحضارات بحث عن ما صار للعرب بعد تلك الفترة. هل تبخروا؟ هل انتهوا؟ هل انقرضوا؟ هل نزل نيزكٌ وأباد كل عربي بقي بعد الدحر؟ كل ما نعرفه أنهم تناثروا أشتاتا في أقاليم المغرب العربي بعد طردهم من أسبانيا.. ولكن من المُحال أن يُطرَد شعبٌ كامل، عرفنا أن الموريسكيين بقوا، ولكن المريسكيين اختلطت بهم عناصرٌ كثيرة حتى ضاعت صفتهم بالهويةِ الغالبة.. ولكن الأجانب بحثوا.. هؤلاء المجتهدون لم يتركوا حزمة ًزمنية ًولو بحجم سمِّ الأبرةِ لم يعملوا بها بحثا وتمحيصا. وكان شاغلي دوما هذه الفترة.. أين ذهب العرب؟ هل تنصروا كلهم؟ هل انمحت الثقافة والعلمُ العربيتان، هل تأسبنوا كلهم في يومٍ وليلة.. محال. وعرفتُ بعضَ الإجاباتِ من مؤلفاتٍ متخصصةٍ أجنبيةٍ والذي عرفتُ شيئا يقارب الخيال وذروة الإثارة التاريخية، عرفت الجميادو Aljamiadoإن قرأتها كما نقرأ بالإنجليزية، ولكن بالأسبانية تقلب «جي» اللاتينية إلى حرفٍ بين الخاءِ والهاء، وأحيانا الياء.. لذا أنا أميل أن أسميها « الخميادو».. الخميادو كانت سرّ أسرار العربِ، وهي التي حافظت علي هويتهم الدينية والعربية في بحرٍ من المسيحية والطغيان الأسباني.ولا بد أن تعرف كيف عاش هؤلاء المورسكيون الذين كنا نحسبهم تنصروا تماما.. الحقيقة أن الكنيسة وديوان الرقابة طلبوا من المسلمين التنـَصّرَ بلا خيارٍ آخر إلا الطردّ أو الموت.. وصار المسلمون يذهبون أيام الآحاد لقداس الكنائس وهم مرتبكين مرتجفين تحت رقابة جواسيس وضواري محاكم التفتيش، وأن يمجدوا الصليبَ والقديسين وأم الرب عيسى، وأجبروهم على شرب الخمر وأكل الخنزير علنا.. وألا يذكروا اسم نبيهم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.. بل أن من يغتسل منهم لأي سببٍ ثم يتجه جهة الشرق يؤخذ للأقبية المظلمةِ فوراً للتعذيبِ حتى الموت ( جهة الشرق هي القبلة في أسبانيا) ثم زاد جبروتُ الكنيسةِ وصاروا يخلعون الحجابَ من على رؤوس العربيات في الميادين والجاداتِ وأي غطاءٍ على الرأس إلا إن كان القبعة التي ترتديها نساءُ الأسبان. ولكن بقيت لهم اللغة العربية يتحدثون بها زمنا.. إلى أن فطنَ دهاقنة الكنيسة إلى خطر اللغة على تماسك العرب ورفع روحهم المعنوية، وبعامٍ كئيبٍ على العرب وهو العام 1526م ، وكان الحاكمُ امبراطورا اسمه «شارلكان» كره الإسلامَ والعربَ بكل قطرة دم تجري في عروقِه، وعاضدته الكنيسة، فمنع العربية.. على الإطلاق.وهنا المنطقة الرمادية في تاريخ العرب الموريسكيين.. ماذا حدث؟ ماذا جرى؟ ما الذي صار.. لم يعلم أحدٌ ما صار إليه حالُ العربِ حتى أول القرن التاسع عشر حين اكتشفَ مجموعة علماء اسبان مخطوطاتٍ بلغةٍ غريبة بأحرفٍ عربية.. إنها لغة الخميادو، سرُّ العربِ الدفين.. لغة أخترعوها لأنفسهم بينهم ليحافظوا على وجودِهم العقلي والديني والاعتباري.. ولما بدأوا يفكون رجومها صرخ عالمٌ كبير بعد ذلك: « ياللدهاءِ.. ياللروعة.. إنه فتحٌ جديدٌ في تطور اللغات وتحايل الشعوب.. لقد كان ذكاءُ المورسكيين فوق كل ما تصورنا..»والقاكم يوم الخميس القادم، لنعرف ما الذي جعل ذاك العالمَ يطير عقلـُه دهشة.. وما فعلت الألخمادو للمورسكيين؟ وما فعلوا بها؟.. ثم قبل أي شيء: ما هي؟ najeeb@sahara.com