محمد العلي

محمد العلي

المفاهيم، باعتبارها كلمات تاريخية تحمل سمات الزمان والمكان اللذين نشأت فيهما، يتغير معناها من فترة الى اخرى وفق نمو المعرفة.. لذلك فإن مفهوم التسامح قد تجاوز المعنى الذي نستخدمه فيه في هذه الايام.. فمعنى التسامح عند فقهاء اللاهوت (الصفح عن مخالفة المرء لتعاليم الدين..) وحيث ان هذا المعنى ينعدم في الثقافة الاسلامية لان العفو لا يصدر الا من الله.. بكون معناه الفقهي واللغوي معا هو (التساهل والتغاضي عن الآخر المختلف عقديا).التسامح من المفاهيم الكثيرة التي اقتبسناها من الغرب بمعناها اللاهوتي المسيحي.. وقد بذلت جهود عديدة لإرسائه في الغرب - حسب حسن حنفي - فمنذ «صدور مراسيم التسامح الرومانية للمسيحيين بفرقهم المختلفة عام (311 - 313م) ومن العجب ان يكون رجل غير مسيحي هو الذي علم الطوائف المسيحية كيف يتسامح بعضها مع بعض.. ذلك الرجل هو تمسنيوس الذي وجه خطابا الى الامبراطور فالينس حضه فيه على إلغاء المراسيم التي اصدرها لاضطهاد مخالفيه وشرح له نظرية جديدة في التسامح جاء فيها»: «ان سلطان الحكومة لا يستطيع ان يؤثر في معتقدات الانسان الدينية وان الرضوخ للحكومة في هذا الامر لا ينتج الا اعترافات يحدوها الرياء والنفاق.. انه لينبغي افساح المجال لكل مذهب.. وان من واجب الحكومة المدنية ان تحقق سعادة الافراد جميعا سواء من كانت معتقداته صحيحة ومن كانت معتقداته سقيمة.. ان الله نفسه ليبين لنا رغبته في ان يعبده الناس بوسائل شتى.. واننا نستطيع الوصول اليه من الف سبيل».هذه الرسالة الحاسمة التي كتبت في اول القرن الرابع الميلادي لم تؤثر الا قليلا.. فالحروب بين الفرق المسيحية لم تقض عليها الا الدولة العلمانية الحديثة.يقول احد المفكرين:«ليس التسامح عكس اللا تسامح، وانما هو تلفيق له.. وكلاهما تحكم واستبداد.. فان احدهما يزعم لنفسه حق منع حرية الضمير والثاني يزعم لنفسه حق منحها» من هنا فان استخدام مفهوم التسامح بحمولاته اللاهوتية فيه نوع من التفضل والتغاضي على وعن الآخر في خلجات ضميره وعقيدته.. وهذا المعنى مخالف لحقوق الانسان مخالفة صريحة.ليس من حقك بأي قانون شرعي او اخلاقي ان تسامحني في حق من حقوقي، فأنا باعتقادي خلافا لما تراه انت وتعتقده لم اسلب منك شيئا.. لقد تركت ضميري حرا كما خلقه الله حيا.. فمن اعطاك درجة اعلى السلم القريبة من السماء حتى تتفضل وتتغاضى؟من اللازم ان تختفي كلمة (تسامح) من الاستخدام النظري الذي نحن فيه الآن (اي اننا لم نصل حتى الآن الى مرحلة التطبيق، فبيننا وبينها خرط القتاد) أو من اللازم ان تختفي لتحل محلها كلمة او مفهوم (احترام) فالاحترام فيه ضمنيا الاعتراف بعدم امتلاك الحقيقة المطلقة التي تملأ رؤوسا كثيرة قد اينعت.