د. مبارك الخالدي

د. مبارك الخالدي

قبل أن ينتهي أولمبياد بكين, عادت إلى المملكة فرقة الفنون الشعبية الموفدة من قبل وزارة الثقافة والإعلام بعد مشاركتها في الفعاليات التي نظمتها الوزارة على هامش الدورة. ولو كنت في موقع القرار لأبقيت الفرقة في الصين إلى آخر لحظة، لكي تستمر في أداء عروضها الفنية الشعبية التي جذبت إليها جمهورا كبيرا من الصينيين وغيرهم ونالت استحسان الناس على الأقل. لن اكتفي بهذا بل سأعطي مشاركة الفنون الشعبية والوفود الثقافية في المستقبل الأولوية على المشاركة الرياضية حتى في المناسبات الكبيرة مثل الأولمبياد. وهذا لا يكفي أيضا بل سأقوم بمبادرة فردية وابعث وفدا يطوف بكل البلدان العربية في محاولة لإقناع وزراء أو رؤساء المؤسسات الرياضية المتورمة والمترهلة بوضع الحضور الفني الثقافي في عين الاعتبار وقلبه، وبعده تأتي الرياضة. من المؤكد أنني إذا لم افشل فلن أحقق نجاحا سهلا في هذا المسعى لأن مطلبي ينطوي على انتقاد قاس لهم ولمؤسساتهم ولكل الرياضيين العرب باستثناء الفرقة الناجية من نقدي وأفرادها يعدون على الأصابع، ذلك من حسن حظ مطلبي, وسوء حظ هذه الأمة العربية، المرزوءة على كل الأصعدة، فأولمبياد بكين يؤكد، كما أظهرت محافل أخرى، أن هذه الأمة خائبة حتى في الرياضة. ليس هذا جلدا للذات ولكنه النظر إلى عين الحقيقة في بؤبؤها، والنأي عن خداع الذات بمواجهة الأشياء وتسميتها بأسمائها. إذا لم يكن مايحدث عربيا الآن في الصين مخيبا وخيبة، فماذا عساه يكون؟ وماهي الخيبة إذن؟ ماتعريفها، مامذاقها، مالونها، وما رائحتها؟أمام هذا الحضور الهزيل والوفود العربية الرياضية العجاف، ينتصب، بشكل يثير الغبطة والإعجاب في النفوس ، السباح الأمريكي مايكل فيلبز، الذي دفع أحد المعلقين الرياضيين، في إحدى القنوات الرياضية, للتساؤل عما إذا هو إنسان سمكة أوسمكة إنسان. يقف فيلبز كأمة متجسدة في شخص واحد يتقلد ثماني ميداليات، فيما نصيب الدول العربية مجتمعة أربع ميداليات حتى لحظة كتابة هذه المقالة. تستدعي ميداليات العرب الأربع إلى الذاكرة الميداليات الأربع التي أحرزها مواطن فيلبز, وأقصد العداء وبطل الوثب الطويل الأمريكي الأسود جيسي أوينز، نجم أولمبياد برلين 1936، تلك الدورة التي أراد أدولف هتلر استغلالها للبرهنة على تفوق العرق الآري وعرض قوة ألمانيا. بيد أن نظرية التفوق العرقي سقطت تحت أقدام جيسي أوينز، الذي جعل هتلر يخرج من الملعب غاضبا بفوزه على منافسه الألماني لوتس لونغ، الذي صار صديقا لأوينز رغم أنف النازيين وتحته. لكن على الرغم من سقوط النظرية لا يستطيع المرء أن ينكر أن ألمانيا أحرزت انتصارا كبيرا في تلك الدورة بفوزها بتسع وثمانين ميدالية من مجموع 290، وأنها شيدت للدورة منشآت ضخمة ورائعة ونقلت المباريات عبر التلفاز في برلين. ويبرهن ماحدث في «عش العصفور» عشية افتتاح دورة بكين على أن التقدم والتطور حالة كلية لا تقبل التجزئة، وان التفوق في المجالات الصناعية والتكنولوجية والعلمية والمعرفية يترجم إلى تفوق في الرياضة، وأن الانجازات الرياضية الكبيرة المتواصلة مؤشر إلى القوة والإبداع في مجالات أخرى. لايخفى على كل ذي عقل أن الصين خططت بمهارة ودقة واهتمام فائق لتظهر عظمتها وقوتها من خلال حفل الافتتاح الذي كان على درجة عالية جدا من الإبهار والإدهاش، وعززت الصين البرهان على عظمتها، وعلى تفوقها رياضيا بحصد ما يربو على 60 ميدالية وقت الكتابة.إنني لا أعني هنا التفوق والانجازات الصدفة, أو ضربات الحظ، أو تلك التي تحدث بطريقة الطفرة الجينية لبعض دول (العالم الثالث) من فينة إلى أخرى، أو حالات الفوز الفردية القليلة والمتباعدة زمنيا على أيدي مواطنين موهوبين من تلك الدول، بل أقصد التفوق والحضور القويين المستمرين وفي أكثر من دورة. أربع ميداليات عربية حتى الآن، ولعل غالبية المتابعين لأداء الوفود العربية غير متفائلين بارتفاع العدد، وحتى إن ارتفع، فذلك لن يجعل العيون العربية تغرورق بالدموع من الفرح. الفرح العربي لن يتحقق في هذه الدورة، ولا في الدورة القادمة إلا بحدوث معجزة.في كل محفل رياضي دولي يتكرر الإخفاق وتتجدد الخيبة ويزداد تآكل الثقة في المؤسسات الرياضية الرسمية العربية. لا رياضة في الوطن العربي. هنا ادعاءات وجعجعات إعلامية مدوية ومثيرة للغثيان وتصريحات بمديح الذات على انتصارات صغيرة وضئيلة ومتباعدة، وسوء إدارة, وهدر للثروات, وانفرادات بالقرار مصحوبة بالنجاة الدائمة من المساءلة. وكل أولمبياد والعرب ينتظرون المعجزة!!