حسن السبع

حسن السبع

سماعك ببعض الفنانين خير من رؤيتهم، وخير من الاقتراب من أوساطهم .. تكفيك مهاراتهم في الغناء أو التمثيل .. لهذا المطرب حنجرة برونزية أو ماسية، ولذلك الممثل نص كوميدي أو تراجيدي يحفظه ويؤديه بإتقان .. فهم (حلوين وبنحبهم) ضمن تلك الحدود .. و(يا زينهم ساكتين!) .. ومع ذلك فهم نجوم يتسابق المعجبون على التقاط الصور معهم، واقتناء كلماتهم وتواقيعهم.مرة، ساقتني المصادفة إلى فضائية خليجية، واستوقفني فيها لقاء لا يخرج المشاهد منه بأية قيمة أدبية أو فنية تذكر.. لقاء مع فنان سعودي يحترف التمثيل .. كانت المذيعة العربية تطرح أسئلة موغلة في بساطتها مثل: ماذا يبكيك ؟ ماذا يضحكك؟ من أحب الناس إليك؟ ما لونك المفضل؟ ما وجبتك الأثيرة على معدتك.. إلى آخر تلك الأسئلة البسيطة التي صممت لتناسب بعض نجوم الوسط الفني، وتملأ فراغ المحطة، وترضي أذواق السواد الأعظم من المشاهدين .. أسئلة عادية لم ينفض عنها غبار السأم إلا خفة دم المذيعة وضحكتها السكرية. أحيانا يصوغ بعض المحررين والمذيعين أسئلة رثّة قد تربك الضيف. لكن بعض الضيوف يحوّل تراب الأسئلة البسيطة إلى ذهب .. أو كما يقول إخواننا المصريون «يحوّل الفسيخ إلى شربات» .. وبالمقابل هنالك أسئلة ذكية يعمل المحرر أو المذيع على صياغتها وإعدادها بشكل متقن، لكنها تذهب مع الريح حين توجه إلى فنان ذي ثقافة أقل من توقعات معد الأسئلة، مما يضطر المذيع أحيانا إلى تبسيط الأمور، وتفسير ما لا يفسر، لعله يظفر من نجمه بجملة مفيدة واحدة. لكن أخانا الذي كنت أسرد عليكم وقائع لقائه حول تراب الأسئلة إلى وحل .. كانت الأسئلة رثة بائسة، وجاءت الإجابات أكثر بؤسا ورثاثة. كانت المذيعة ذات الأسئلة الترابية منسجمة مع دورها، فالضحك والغنج يوحيان بأن كل شيء على ما يرام. لقد أجرت حوارا تليفزيونيا فارغا من أي مضمون، لكنه الفراغ الذي يملأ وقت المحطة، وهذا وحده إنجاز كبير. والآن علي أن أنتقل بكم إلى السؤال الزلزال .. طرحت المذيعة على الضيف السؤال التالي: «أي البلدان أو الأماكن أحب إلى نفسك؟» فأشار فناننا إلى مدينة خليجية، هي في الحقيقة متميزة في مجال الإدارة والإعلام واستخدام التقنية الحديثة .. وأراد صاحبنا أن يجتهد قليلا فوصف المدينة بأنها (كارثة) هذه هي الكلمة التي خطرت على باله حينها ليمدح المدينة التي يحبها .. ثم راح يعدد الإيجابيات التي جعلت منها كارثة. ذكّرني ذلك بحكاية جورج جرداق، وقد رأى ذات يوم إعلانا يراه الناظر من مسافة ميل عن سهرة غنائية في مطعم يكثر فيه الزعيق والزمير والتطبيل، تقول اللافتة: «زورا مطعم كذا.. واقضوا معنا ليلة ليـلاء لا تزول ذكراها من نفوسكم..» إن ما أثار سخرية جرداق هو جهل المعلن باللغة .. فالليلة الليلاء هي تلك الليلة التي يسميها إخواننا المصريون (ليلة مهببة.. ومتنيلة بنيلة) .. ويسميها ابن منظور: «الليلة شديدة السواد والصعبة الثقيلة الطويلة».. وقديما، والكلام لجورج جرداق أيضا، «كان بنو عبس يقفون على رؤوس الكثبان ليهددوا ـ بعنترة العبسي ـ بني ذبيان، صائحين: ستكون وقعتكم نكراء وليلتكم ليلاء!». ولأن الحديث ما زال عن أهل الفن، فقد قررت فنانة ما «في خطوة مفاجئة التراجع عن تنفيذ فكرة نشر مذكراتها».. يا للكارثة ! لقد خسر العالم شيئا كانت تريد الفنانة أن تقوله .. إن المصاب لفادح، ولا يشبه في فداحته إلا حرق أبي حيان التوحيدي لكتبه .. أما لماذا تراجعت عن فكرة نشر مذكراتها، فذلك لأنها «شعرت بأن تلك المذكرات سوف تمس شخصيات هامة من المجتمع» ، كما يقول الخبر، أي أن تلك المذكرات خالية من أية قيمة جمالية أو أدبية، فهي لا تعدو كونها «توثيقا» للفضائح.ختاما.. وفي السياق نفسه، يبدو أن كلمة (مفكر) لم تعد تعني ما كانت تعنيه من قبل، فقد أصبحت تُمنح مجانا لأي كان.. وفي مقابلة مع مطرب محلي وصف أحد نظرائه المطربين بقوله: إنه هامة فنية وفكرية لن تتكرر! «فنية» صفة يمكن هضمها، أما «هامة فكرية» فتلك صفة فيها قولان وأكثر، ولها شروط لم تخطر على بال القائل نفسه.hsn_saba@hotmail.com