محمد العلي

محمد العلي

سمعنا قديما من قال (سئمت تكاليف الحياة) وسمعنا حديثا من قال (نفخ الأراجيل سأم) ولكننا منذ ولادة التاريخ حتى الآن لم نسمع من قال (هرمت سئمت من المجد) غير محمود درويش.. كما اننا لم نر ولم نسمع من خاطب الموت كأنه يراه.. بل وجها لوجه مثل محمود درويش:«ايها الموت انتظرني عند بابالبحر، في مقهى الرومانسيين، لم أرجع وقد طاشت سهامك مرةالا لأودع داخلي في خارجيوأوزع القمح الذي امتلأت به روحي..». أقسم يا محمود انك اودعت داخلك ابداعا ولغة وتجاوزا بل و(انسنة حتى للعدو) أودعته في قلوبنا.. وانك وزعت قمحك علينا، وعلى الاجيال القادمة.. واقسم كذلك انك كنت منظمة مناضلة وحدك.. منظمة تتجاوز انهيارات فتح وحماقات حماس.. نعم اني اكرر معك (كم كنت وحدك) لا فقط في نضالك.. بل في تحولاتك الابداعية وفي افقك الشعري الفريد..انك يا محمود تعرف ان ابداعك خالد.. لذلك خاطبت الموت بهذا الكبرياء:«ألديك وقت لاختبار قصيدتيلا.. ليس هذا الشأن شأنكانت مسؤول عن الطيني في البشريلا عن فعله او «قوله»هزمتك يا موت الفنون جميعها».لا يجرحنك يا محمود انك مررت بلحظات نسيت فيها أن «تربى الامل» نسيت فيها النهر المتدفق في قلبك بكل قيم الاصرار والنضال والغفران:(لم يبق في اللغة الحديثة جانبللاحتفاء بما نحبفكل ما سيكون كان)لا تنجرح هكذا.. فهذا هو العصر العربي الساقط في هاوية لا قرار لها.. بل المفتخر بسقوطه.. ليس ذنبك ولا ذنب غيرك ان تكون حياته في عصر السقوط هذا.. وليس عيبا ان السلطة المطلقة التي تملكها على اللغة ينسل نصفها من غمده فقط.. ولا تنجرح، وانت في قبرك او منفاك الاخير.. من غربان راحت تنعب هنا وهناك فرحة بغيابك.. لا.. لا تلتفت ولا تقل (انت منذ الآن غيرك) بل قل ما قاله جدك:اذا ترحلت عن قوم وقد قدرواألا افارقهم فالراحلون هموايها الهرم القمريكيف استطعت ان تخاطب الموت.. او القاتل البرئ حسب تعبير احمد بوقري.. بهذه السخرية؟«لست محتاجا لتقتلني الى مرضيفكن أسمى من الحشراتكن من أنت.. شفافابريدا واضحا للغيبكن كالحب عاصفة على شجر «...»كن قويا ناصع الفولاذواخلع عنك اقنعة الثعالب). mali@alyaum.com