محمد العلي
((هناك انطباع شائع - وربما وهمي - أن الفكر موجود في كل مكان أو متوافر في كل البلدان.. فحيثما يوجد بشر أو شعب ما أو لغة ما يوجد فكر بالضرورة وحيثما توجد جامعات ودراسات عليا وشهادات دكتوراه يوجد الفكر.. في الواقع ان الفكر أكثر ندرة مما نتوقع.. بل إن الأمر الطبيعي هو ألا يوجد فكر.. الأمر الطبيعي هو أن يسهو الناس عن الفكر، أو ينسوا الفكر.. أن يعيشوا في غفلة وبحبوحة من العيش بعيدا عن حمأة الفكر.. بالطبع إذا كان المقصود بالفكر الحد الأدنى من التفكير وتدبير شؤون المعاش والحياة اليومية - أو حتى كتابة رسالة دكتوراة - فإنه متوافر على كافة الأصعدة والمستويات.. كل البشر يسرحون إلى أعمالهم ويدبرونها ما استطاعوا إلى ذلك تدبيرا.. ولكن إذا كان المقصود بالفكر انبثاق تصور جديد للأشياء.. أو انهيار تصور سابق أو سقوط مرحلة وبداية مرحلة.. فإن الفكر نادر جدا.. ولكي يظهر الفكر - أي لكي يحصل ذلك الحدث الصاعق الذي يشبه (فلق الصبح) - ينبغي ان تتوافر شروط.. أولها الكارثة.. بمعنى: ينبغي أن تحصل كارثة حقيقية لكي يولد الفكر، لكي ينبت الفكر في الأرض البوار الخ)) هاشم صالح - الانسداد التاريخي ص11لو كان هذا الكلام لغير هاشم صالح لما أثقلت كاهلك بقراءته.. ولكن هاشم اسم لامع في ميداني التأليف والترجمة لذا فإن كلامه لا ينظر إليه بعين واحدة ولا بقراءة واحدة أي انه لابد ان يؤول حين يصطدم مع المنطق.لاشك أن هاشم يتكلم عن الفكر الجمعي لا الفردي وأنه يعني مجتمعا آخر غير المجتمع العربي لأن المجتمع العربي ينهزم أمام أي عاصفة إلا استثناءات نادرة قديما وحديثا ولنعد قليلا للتاريخ.1- الهزيمة من الداخل:عند أول كارثة أصابت المجتمع العربي بعد الفتنة الكبرى ورفع المصاحف راح الانقسام والتشتت يفتك بالمجتمع وتوازنه الداخلي.. واهتزاز التوازن أو التماسك الاجتماعي هو نوع من أشد أنواع الكوارث سوادا.. ومع ذلك لم يتولد أي فكر مغاير في هذا المجتمع ككل.2- الهزيمة الفكرية:حين اشتدت شوكة المعتزلة ومضى جيل الرواد.. تحول الفكر الاعتزالي من النظر والعمل إلى مجرد بحث تجريدي فقد قدمه الثانية وهي العمل اليومي في أوساط الناس وتحول علم الكلام إلى كلمات متقاطعة حاول المعتزلة إرغام الناس على الإيمان بها.. ومن هنا أطلت الكارثة الفكرية الكبرى.3- توالي الهزائم من الخارج:توالت بعد هزيمة الانفراط الاجتماعي الداخلي وهزيمة الفكر الهزائم فسقطت بغداد وذهبت الأندلس، وكلما جاءت أمة وسط هذه الهزائم لعنت أختها.. وكأنما مجتمعنا مغاير لكل مجتمعات الدنيا حسب رؤية هاشم صالح.. كلما توالت الكوارث عليه ازداد تحجرا وتداخلا في نفسه المجدبة.هذا في الماضي فماذا عن الحاضر؟Mali@alyaum.com