محمد الحربي

هناك جدل أزلي بين أهل الاقتصاد والسياسة فيمَنْ يقود مَنْ أو مَنْ يؤثر أكثر على الآخر. وقد أسهب أهل التنظير في ذلك إلا أن الوقائع هي ما تفرض نفسها في النهاية، حيث إن العلاقة بينهما هي علاقة متينة حيث تأتي الصراعات السياسية تحت ستار المصالح الاقتصادية.

والمسألة ليست بهذه السهولة للحكم حول المهيمن على الآخر في ظل تواجد البعد العسكري أيضاً كأحد أهم آليات الهيمنة، إلا أن الشواهد التاريخية تدفعنا إلى الاعتقاد بأن الاقتصاد هو المحرك في كل مناحي الدولة.

واستشهد أصحاب هذا الرأي بالدول الكبرى وأوروبا بشكل عام، حيث لملمت جراحاتها وتجاوزت خلافاتها التي فرضتها الأيدولوجية السياسية في الحربين العالمية الأولى والثانية ليجمع شتاتهم الاقتصاد.

وقد رممت المصالح الاقتصادية المشتركة في العقدين الأخيرين العلاقات الصينية اليابانية، التي تعرضت لهزة كبيرة أبان رئاسة رئيس الوزراء الياباني كويزومي، الذي أحيا تيار القومية في اليابان وأعاد بناء الجيش كخطوة سياسية لفرض واقع وهو ما دفع المنطقة حينها لتسبح تحت برميل بارود، إلا أن دفء الاقتصاد لاحقاً أطفأ لهيب السياسة.

كما أن الاقتصاد استطاع أن يخلق علاقات متينة بين أوروبا وروسيا رغم أن السياسة تفرقهما، وعلى النقيض من العلاقات السياسية والعسكرية المتينة لمعظم الدول الأوروبية مع الولايات المتحدة، التي لم تسعفها أبداً، واصطدمت بالمصالح الاقتصادية لتقوم الأخيرة بفرض رسوم جمركية على بعض المنتجات الأوروبية، وأهمها واردات الألمنيوم والصلب في تجاهل تام للعلاقات السياسية والعسكرية التاريخية.

وهناك العديد من الأمثلة، التي لا حصر لها والتي توكد أن الاقتصاد هو المحرك الرئيس لميدان السياسة وأن كل الشراكات يعززها الاقتصاد الذي يجمع ما تفرقه السياسة، كما أن الصراعات السياسية في الغالب تخفي خلفها مصالح اقتصادية.

harbimm@