دانة بوبشيت - الدمام

لعل المتتبع لمراحل الإصلاح النقدي خلال تلك الفترة، يدرك حقيقة بعد نظر الملك عبدالعزيز -رحمه الله- في معالجة الأحداث والقضايا الجوهرية لأمته، ومدى ارتباط هذه المراحل ارتباطًا مباشرًا بمراحل توحيد هذا الكيان، وعكست الأحداث والتطورات السياسية التي شهدتها الدولة منذ سنة 1319هـ (1902م) وحتى سنة 1351هـ (1932م).

رحلة النقد

وأبرزت مؤسسة النقد العربي السعودي من خلال موقعها نقلة العملات من المعدنية إلى الورقية، واستعرضت أبرز إنجازات الملك عبدالعزيز -رحمه الله- من خلال محاولاته في وجود العملة والشكل المناسب لتكون عملة موثوقة من مصدر معروف يوثق عليها علم البلاد، لتتداول عالميًا، كما قام بإنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي في أوائل عام 1371هـ (1952م) بناء على التقارير والتوصيات التي قدمها آرثر يونج بإنشاء مؤسسة تعنى بالأمور النقدية للبلاد.

وبعد التشاور مع جلالة الملك سعود -رحمه الله- الذي كان وقتها أميرًا حول ماهية هذه المؤسسة، تم التوصل إلى اسم المؤسسة ومهامها وأهدافها، عند ذلك صدر المرسومان الملكيان برقمي 30/4/1/1046 و 30/4/1/1047، وتاريخ 1371/7/25هـ (1952/4/20م) بإنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي، واعتماد نظامها الأساسي. الذي حدد أهم وظائفها في تثبيت قيمة العملة السعودية، ودعمها داخل البلاد وخارجها، ومعاونة وزارة المالية بتوحيد المركز الذي تودع فيه إيرادات الدولة، وتقديم المشورة للحكومة فيما يتعلق بسك النقود وطرحها، ومراقبة الجهاز المصرفي من مصارف تجارية، وصيارفة يتعاملون في بيع وشراء العملات الأجنبية، وقد حظر على المؤسسة إقراض الحكومة والهيئات الخاصة، وإصدار العملة الورقية وغيرها من البنود التي نص عليها المرسومان.

يتضح مما سبق أن الملك عبدالعزيز قام بعمل غير عادي في سبيل بلورة هوية أمته ودولته من خلال نقودها، التي تعد أهم رمز من رموز سيادتها.

إيصالات الحجاج

وعلى الرغم من كل ما تم تحقيقه في هذا المجال، إلا أن طموح الملك عبدالعزيز كان أكبر من ذلك بكثير، فقد أدرك -رحمه الله- صعوبة الاستمرار في استعمال النقود المعدنية في ظل التطورات الاقتصادية المتلاحقة، وتنامي واردات الدولة بشكل كبير، فرغب في تسهيل أمور حجاج بيت الله الذين يلاقون مشقة من حملهم للريالات الفضية الثقيلة، فكانت الخطوة الأكثر جراءة في نظام النقد السعودي، والتي تمثلت بقيام مؤسسة النقد بإصدار ما عرف آنذاك بإيصالات الحجاج التي طرحت للتداول اعتبارًا من 1372/11/14هـ (1953/7/25م) من فئة العشرة ريالات، والتي طبع منها خمسة ملايين إيصال، كطبعة أولى، كتب على هذا الإيصال عبارات متعددة باللغة العربية، والفارسية، والإنجليزية والأردية، والتركية، والمالاوية، ما يحفظ لحاملها قيمة هذا الإيصال من الريالات الفضية السعودية.

وعلى ما يبدو أن هذه التجربة لاقت الاستحسان والقبول من حجاج بيت الله الحرام، ونالت ثقة الناس في السوق المحلية من تجار ومواطنين. الأمر الذي دفع المؤسسة إلى إعادة إصدار تلك الفئة وفئتين جديدتين اخريين من فئة الخمسة ريالات سنة 1373هـ (1954م)، وفئة الريال الواحد سنة 1375هـ (1956م) وكان لنجاح هذه التجربة أن المواطنين والحجاج لم يستبدلوا تلك الإيصالات بالعملة المعدنية، بل استمروا في تداولها واستنتجت الدولة ممثلة في مؤسسة النقد العربي السعودي أن المواطنين والحجاج راغبون في استبدال العملات المعدنية بعملة ورقية، وهو تطور مهم يعبر عن الثقة بحكومة الدولة الفتية وقدرتها على حماية عملتها الورقية، وهو أمر أصعب بكثير من حماية العملة المعدنية ذات القيمة الذاتية.