حسن السبع

حسن السبع

لا يستمد النص الشعري ألقه من جمال المعنى وحده، ولكن من جمال السبك أيضا. لذلك ليس بيد الحريص على موسيقى الشعر إلا أن يتمنى على بعض الكتاب العرب من غير الشعراء أن لا يستشهدوا بالشعر الموزون إلا إذا نسخوه من مصدره نسخا دقيقا، أو وزنوه بميزان الخليل بن أحمد الفراهيدي، وذلك يعني أن لا يعتمدوا على ذاكرتهم أو آذانهم التي لا تميز أحيانا بين بحر الكامل وبحر قزوين، أو بين الشعر والكلام المسجوع. فمن النادر (أقول: من النادر وليس المستحيل) أن ينقلوا قصيدة أو مقطعا من قصيدة أو بيتا دون أن يثخنوه جراحا أو يصيبوه بعاهة مستديمة تؤذي الذائقة السليمة. لدي أرشيف مثقل بالأمثلة. وبدون الإشارة إلى الأسماء، لأن تلك الإشارة لا تخدم الموضوع بأي شكل من الأشكال، فقد حاول مرة أحد الكتّاب الكبار أن يرد بما يشبه المعارضة على أبيات كتبها شاعر معروف.. فكانت نتيجة المحاولة بائسة. وبرغم اعتذاره في نهاية المقال للخليل بن أحمد، وللشعراء العرب في الوطن والمهجر، إلا أنني شخصيا كنت أتمنى لو أنه قد علَّق على دعابات الشاعر بشيء من النثر. ولو كنت مكانه لما أقدمت على ما أقدم عليه.في السياق نفسه، أشرت مرة إلى كتاب الأستاذ يوسف الشريف (صعاليك الزمن الجميل) وبالرغم من ثراء مادة الكتاب، والجهد الذي بذله الشريف في تأليف تلك المادة، إلا أن كثيرا من النصوص الشعرية قد شُوّهتْ بسبب أخطاء النقل أو الطباعة. ولم يكن الأستاذ محمد رضوان مؤلف (الصعلوك الساخر) أرأف بفتافيت قلب الشاعر البائس عبد الحميد الديب من نظيره يوسف الشريف. استمتعتُ بقراءة هذين السفرين الجميلين، ولم يعكر صفو تلك المتعة غير تلك الرضوض والكسور والجروح التي انتابت النصوص الشعرية، وما كان لتلك الأخطاء أن تحدث لو روجعتْ النصوص من قبل شاعر يستطيع أن يكتشف مكامن الخلل فيراجعها على الأصل، أو يجتهد في جبر ما انكسر، وترميم ما تصدَّع، وإعادة بناء ما تقوَّض، دونما حاجة للمراهنة على فطنة القارئ. كتابنا يحبون الشعر، وهم غالبا ما يستشهدون به، لكنهم حين يستشهدون به، يخر شهيدا على أيديهم. وفي السياق نفسه أيضا، فقد بذل الصديقان عبد الله السفر ومحمد الحرز مجهودا رائعا بجمع نماذج من نصوص سبعة وثلاثين شاعرا يمثلون تيار الحداثة الشعرية بالمملكة. كان ذلك بالتعاون مع (جمعية البيت للثقافة والفنون) بالجزائر. وقد طبع الكتاب بمناسبة اختيار الجزائر عاصمة للثقافة العربية 2007. بعثت للأستاذ عبد الله السفر مجموعة من نصوصي وتركت له حرية الاختيار. صدرت الأنطولوجيا الشعرية تحت عنوان (يصرّون على البحر) وجاءت في حلة أنيقة طباعة وتصميما وإخراجا. مع ديباجة تناولت بإيجاز ملامح ثلاثة عقود شعرية. كان جهدا رائعا بحق. ومن ضمن النصوص التي بعثت بها للأستاذ السفر نص قصير بعنوان (مبتدأ) يقول: «الزحامُ، الضجيجُ، الهواءُ الملوَّثُ بالفقرِ والشاحنات.. بائعُ الوهمِ والخردوات.. القصاصاتُ، سقطُ المتاع، الرصيفُ مليءٌ بأعقابِ بعضِ السجائرِ يجمعها الصِّبْيةُ الأشقياء.. النقودُ، الحريرُ، الملاهي، اليخوتُ، الثراء.. ناطحاتُ الفضاء.. بشرٌ فوقَ آهاتِ كلِّ البشرْ.. كلُّ هذا الذي نَثَرَتْه القريحةُ مبتدأٌ فابحثوا، إِنْ أردتمْ ، له عن خبرْ!هل تعرفون ماذا فعل الناشر؟ أضاف كلمة (الفضيحة) في آخر النص.. لكي يقرأ هكذا: (فابحثوا إن أردتم له عن خبر.. الفضيحة).. حاولت أن أجد مبررات لهذا الاجتهاد (العبقري جدا) فلم أجد إلا مبررين: الأول هو أنه قد اعتبر كلمة (القريحة) الواردة في النص قفلة، وبحث عن كلمة تجانسها، فلم تسعفه قريحته إلا بكلمة (الفضيحة).. الثاني أنه اعتبر النص (لغزا) فأراد أن يحله. فكانت (الفضيحة) جوابا عن سؤالي: فابحثوا، إن أردتم له عن خبر! اتصلت بالصديق السفر لأخبره بأمر (الفضيحة) فقال: لقد كلفت (العيال) بشطب تلك الكلمة من كل النسخ التي بحوزتنا. وينتابني حتى اليوم ذلك الفضول الذي قتل القطة، لأتعرف على ذلك المحرر الجزائري الذي اجتهد ذلك الاجتهاد العجيب! hsn_saba@hotmail.com