محمد العلي

محمد العلي

أكثر التعريفات التراثية للمعنى انطلقت من تصورات الثقافة الشفوية مثل: معنى الكلمة هو مدلولها.. او المعنى هو الصورة الذهنية المتجسدة في لفظ وهكذا.. ولكن منذ عبد القاهر الجرجاني، ومقولة (النظم) المتحدرة من الفكر الاعتزالي.. تغيرت النظرة الى المعنى، فأصبح تعريفه منطلقا من الثقافة الكتابية.. فالذي يحدد المعنى هو (السياق) باعتبار اللغة مجموعة من العلاقات وليست مفردات منفرطة.ويقسمون – جزاهم الله خيرا – المعنى الى ذاتي وموضوعي: فالذاتي هو ما تحمله المفردات وسياقاتها من تصورات واحاسيس ومشاعر فردية وجدانية.. وهذا المعنى يختلف مداه باختلاف الافراد.. اما المعنى الموضوعي فهو في نظرهم المعنى الذي لا يختلف في مداه اثنان ولا تتناطح عنزان.اشعر ان هناك ظلالا من الشك حول المعنى الذي لا يختلف في مداه ما لم يكن رياضيا.. وسأكون بهذا قريبا من ابن عربي الذي يقول: (فما في الكون كلام لا يتأول.. فمن التأويل ما يكون خطأ عن مراد المتكلم، وان كان التأويل اصابة في كل وجه، سواء اخطأ مراد المتكلم او اصاب.. فما من امر الا ويقبل التعبير عنه.. ولا يلزم ذلك فهم السامع الذي لا يفهم ذلك الاصطلاح ولا تلك العبارة).كل هذا الكلام ما هو الا باب خشبي للدخول فيما اريد قوله: فنحن حتى ننفلت من قبضة العبث لابد من خلق المعنى في كل ما نفعله ونؤمن به، وحتى نتخيله، لأننا بدون هذا المعنى تصبح الحياة نفسها عبثا.لكن ما هي شروط خلق المعنى؟معظم المعاني التي تؤطر رؤيتنا قد انغرست فينا بالوراثة الاجتماعية وبالطريقة التربوية.. هذه المعاني لم نشارك في صنعها، ولا وضعها للاشياء المؤثرة في حياتنا.. ولم نختر الدرجة التراتبية التي لها في السلم.. والتي تحدد لها القيمة الضرورية.. هذه المعاني غرست فينا عفويا مثل خيرنا في سائر المجتمعات.. ولكن اين يكمن الفرق؟ يكمن في ان الشعوب المتقدمة في السلم الحضاري تغرس المعاني المتقدمة.. اما المجتمعات المتخلفة فتزرع في افرادها المعاني المتخلفة، لأن فاقد الصواب لا يعطيه.هنا لابد من الوقوف طويلا للسؤال الفاصل: ترى ما هي تلك المعاني التي تسير حياتنا؟ وما هو الصحيح فيها في الوقت الحاضر؟ وما هو الخطأ؟ وما هي المقاييس لهذا الفرز؟ ان البعد الثقافي هنا يأتي متقدما على البعد السياسي والاقتصادي اذا اردنا فحص المعاني الموروثة.. وعليه لابد ان نسأل الذهنية الاجتماعية: كيف انبتت؟ وما هو تأثيرها في الحياة الآن؟اشعر اني من اول هذا المقال حتى الآن اسير في كهف واسمع قعقعة مجردة صادرة من طبول جوفاء يضرب عليها في مأتم.. لماذا؟ ببساطة لاني اقدمت على الكتابة بلا معنى محدد اجعله هو الهدف، بل اصبحت أمامي كل المعاني سربا طويلا لابد من صيده بقضه وقضيضه.Mali@alyaum.com