محمد العلي

محمد العلي

هكذا قالت فيروز، حيث وضعتك أمام سؤال عاصف وبالغ الغرابة هو: لماذا كان غدا أجمل التاريخ؟ لماذا لم يكن الأمس إذا كنت قد حققت فيه من الأحلام حمل بعير؟ الجواب سهل: لأن الأمل الآن هو الذي سيتحقق في الغد.. أما الذي تحقق بالأمس فقد كف عن أن يكون أملا.. لقد سلبه التحقق نعمة الإغراء..الأمل لون من المناعة ضد الانهيار المريع الذي تراه أنى وجهت بصيرتك في الحياة الاجتماعية والأخلاقية والمعيشية للأمة كلها.. والأمل دائما ينظر إلى الأمام.. إنه مغرم بالآتي وقد خلف الماضي وراء ظهره.. ولكنه مع ذلك يبقى محارة فارغة حين لا يرافقه العمل على تحقيقه.. إن الثمار لا تجنى إلا بعد الجهد المضني في غرسها وأكثر الآمال التي تزخر بها أحلامنا هي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.. لأنها لا يرافقها ما تتطلبه من عمل جاد ومتواصل.لقد كان بشار واقعيا حين قال:==1==ترجو غدا وغد كحاملة==0====0==في الحي لا يدرون ما تلد==2==لأنه كان يعبر عن ذهنية عصره ومسلمات ذلك العصر. أما نحن الآن فنعتبر قول بشار قولا أعمى.. لأننا نعرف منذ الشهر الأول (من تلد) وأصبحت واقعيتنا تختلف عن واقعيتهم لأن مسلماتنا غير مسلماتهم.أما محمود درويش فيزج بنا في فضاء آخر(إني احتفل اليومبمرور يوم على اليوم السابقوأحتفل غدابمرور يومين على الأمسوهكذا أواصل حياتي)ما هذا؟ ما الذي يريد به درويش أن يرشقنا بالأسئلة: هل هو فرار أم إقدام.. ماذا نسميه أملا أم بأسا؟ فرحا أم حزنا؟ واقعا أم تجريدا؟ وإن المرارة المرعبة في قول درويش والتي توصلنا لها القراءة الأولى لا تبعد احتمال اللقاء الجميل بين قول درويش وقول ناظم حكمت:(اليوم أجمل من الأمس)ولكن الذي يبعد هذا الاحتمال ويجعل بين القولين خندقا رهيبا هو أن الحالة التي دفعت ناظم حكمت إلى هذا التفاؤل لا الوجودي بل النضالي هذه الحالة ليست هي حالة محمود درويش فحالته هي حالة أمتنا التي تسير في هاوية.محمود يا درويشهل أهمس في أذنيك:خذني معك إلى هذا الفرار الصوفي والخراب المقيم: (خذني لفرارك خذني).mali@alyaum.com