حسن السبع

حسن السبع

أعود مرة أخرى إلى كتاب أمارتيا صن (الهوية والعنف: وهم المصير الحتمي) ترجمة سحر توفيق، الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، ضمن سلسلة (عالم المعرفة). لما تضمنه الكتاب من مقاربة موضوعية قيمة لكثير من الأسئلة المتعلقة بماهية الانتماء في عالم متعدد الصلات. والكتاب قائم على نقض التصنيفات التي تضع الناس داخل مجموعة من الصناديق المتصلبة الجامدة. وعلى سبيل المثال يعترض أمارتيا صن على التصنيفات التي تضمنها كتاب صموئيل هنتغتون (صدام الحضارات، وإعادة بناء النظام العالمي). لأن ذلك التصنيف المتخيل قائم على «جانب واحد لا خيار فيه للهوية الإنسانية» هو الجانب الديني، ولا شيء إلا ذلك الجانب. وفي هذا التصنيف إلغاء لكثير من الانتماءات الأخرى المتمثلة في الطبقات والطوائف والأعراق والتنظيمات والمهن والهوايات والمجموعات اللغوية والفنية والاهتمامات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بشكل عام. وتلك، كما يرى أمارتيا صن، نظرة اختزالية وساذجة يلفها إدراك ضبابي بالتاريخ، وتتجاهل التنوع الداخلي في تلك التصنيفات، كما تتجاهل التباين داخل الثقافة الواحدة في كثير من المجتمعات رغم ما قد يبدو للمراقب البعيد من تجانس أو انسجام ثقافي. وفوق ذلك كله فإن ذلك الفرز أو التصنيف يفترض «حتمية» الصراع أو الصدام بين الثقافات المختلفة. وهي فرضية لا توجد إلا في خيال أصحابها. إن الثقافة، كما يرى صن، لا تقف ساكنة بلا حركة بل هي متغيرة بفعل التماس والتواصل والأخذ والعطاء الفكري في عالم أصبح شبيها بالقرية الكونية الكبيرة. الثقافة متغيرة لأن وسائل الاتصال المتطورة، وكذلك النشاطات الاقتصادية المتبادلة بين بلدان العالم لا تتم بمعزل عن القيم الثقافية والفنية.في السياق نفسه يتحدث أمين معلوف في كتابه (الهويات القاتلة) عن «كوكتيل الانتماءات» في شخصيته المتعددة بما يناقض ما ذهب إليه صموئيل هنتغتون. فأسرة معلوف انحدرت من جنوب الجزيرة العربية واستقرت في جبل لبنان، والأسرة مسيحية عربية الأصل واللسان. يحمل الهويتين اللبنانية والفرنسية. ويكتب مؤلفاته الأدبية والفكرية باللغة الفرنسية. عائلة والدته كاثوليكية، وعائلة والده بروتستانتية، جدته تركية متزوجة من ماروني مصري. بعد أن يستعرض كل ذلك التنوع الثقافي يطرح السؤال التالي: كم من بني جنسي يشاركونني هذه العناصر المتباينة التي قولبت هويتي ورسمت مساري في خطوطه العريضة.من المؤكد أن من بين تلك الانتماءات التي ذكرها أمين معلوف واحدة أو أكثر لها أهمية بارزة بالنسبة إليه، والاختيار الواعي وحده هو الذي يحدد تلك الأهمية النسبية. وفي هذا السياق يقول أمارتيا صن: «قد تقرر شخصية ما أن هويتها العرقية أو الثقافية أقل أهمية بالنسبة إليها من قناعاتها السياسية على سبيل المثال أو التزاماتها المهنية أو محاولاتها الأدبية» والقرار والحال هذه مرهون بمستوى الإدراك، وبالقدرة على التمييز، وبحرية الاختيار إذا توافرت. رغم تأكيد أمارتيا صن على أن المطابقة والمصير الحتمي ضمن الثقافة الواحدة وهم من الأوهام، إلا أنه لا ينكر دور الثقافة المؤثر في تكوين الفرد، ولكن ليس على طريقة من يسميهم (الحتميين الثقافيين). لذلك يتساءل: «بأي طريقة يكون للثقافة دورها المؤثر؟» ويجيب عن ذلك السؤال واضعا في الاعتبار أن الثقافة ليست صفة متجانسة، بالنظر إلى كل تلك التنويعات الهائلة حتى ضمن الوسط الثقافي العام نفسه: فيقول: «إن الهويات الثقافية يمكن أن تكون عظيمة الأهمية لكنها لا تقف في تصلب وحدها معزولة عن التأثيرات الأخرى في فهمنا وأولوياتنا».إن كتاب أمارتيا صن (الهوية والعنف) دعوة عقلانية لمزيد من التواصل والتقارب بين مختلف الثقافات، ونداء مخلص إلى نبذ العنف وثقافة الكراهية لترسيخ صلات ذات قواسم مشتركة في هذا العالم المضطرب. لذلك يقتبس أمارتيا صن في التمهيد لكتابه مقطعا من قصيدة (شاطئ دوفر) للشاعر والناقد الإنجليزي ماثيو آرنولد (1822-1888) يمجد الحب الإنساني باعتباره الدفاع الوحيد ضد التوحش والكراهية يقول: هانحن هنا وظلام مدلهم ينبسط حولنا، وقد ساقتنا إنذارات مشوشة بالصراع والفرار إلى حيث جيوش جاهلة تتصارع في ظلام الليل» ويعلق صن على هذا المقطع بقوله: إننا قادرون على أن نفعل ما هو أفضل من ذلك! hsn_saba@hotmail.com