محمد العلي

محمد العلي

«لنقر لمحمد جابر الانصاري اولا بانه صاحب رؤية، ولنقر ثانيا بان هذه الرؤية التي تتموضع على صعيد فلسفة الحضارة رؤية عريضة، فهي تغطي ـ او تريد ان تغطي ـ جملة مساحة الحضارة العربية الاسلامية ، ثم جملة الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، مع امتدادات تحتمها طبيعة الرؤية ذاتها الى الحضارة الاغريقية القديمة والحضارة الغربية الحديثة.حجر الزاوية في هذا المشروع الرؤيوي هو مفهوم (التوفيقية) ولنبادر حالا الى القول: ان هذا المفهوم يبدو وكأن له فاعلية خاصة في حقل تطبيقه على الحضارة العربية الاسلامية «فمن منظور حضاري شامل ـ كما يفيدنا الانصاري ـ فان الحضارة العربية الاسلامية هي الحضارة الاولى بين الحضارات التاريخية الكبرى التي جمعت ووفقت للمرة الاولى في تاريخ البشرية بين العنصر الهلنستي الروماني الاوروبي الغربي والعنصر الفارسي الهندي (الآسيوي الشرقي) في نسيج حضاري واحد.. فكانت بهذا المعنى مشروعا توفيقيا عالميا بالغ الضخامة والامتداد. وهو مشروع جامع صبت فيه ايضا الروافد التاريخية والحضارية والفلسفية والدينية لحضارات الشرق الادنى القديم التي لم تخل هي الاخرى من محاولات توفيقية بين الدين والعقل وبين الديانات السامية بتراثها الابراهيمي والفلسفة اليونانية بتراثها الارسطي الافلاطوني.. فضلا عن العناصر المشرقية القديمة المتأصلة في المنطقة بين سومرية و بابلية وفرعونية وفينيقية بارثها الديني والعلمي والحضاري بعامة». وبديهي ان هذا النص الذي يمثل منطوقه نقطة المركز في دائرة الرؤية الانصارية، يمكن ان يشير للحال اعتراضا: فهل صحيح ان الحضارة العربية الاسلامية هي الحضارة الاولى بين الحضارات التاريخية الكبرى التي جمعت ووفقت ام ان التوفيق هو على العكس قانون جميع الحضارات التاريخية الكبرى ولا سيما في منطقة الحوض الشرقي للبحر الابيض المتوسط حيث تولد الحضارات راشدة لانها متناضدة بعضها فوق بعض، كما يفيدنا مؤرخ هذا البحر وفيلسوفه فرنان بروديل؟ (جورج طرابيشي «هرطقات» ص 81/82).اشادة طرابيشي بكتاب الانصاري (الفكر العربي وصراع الاضداد) على الرغم من اختلافه معه في بعض النقاط.. اشادة موضوعية، فالكتاب يستحق اكثر من اشادة ولو كانت من مفكر كبير كطرابيشي.ان النقطة الأساس التي قام عليها الكتاب كله هي ان أساس التوفيقية هو (الايمان بمقولة: وحدة الحقيقة) لذا فهي تقوم بجمع المتناقضات وتصافح أو تصالح الاضداد التي لا يمكن ان تتصالح.. بالاضافة الى نقطة اخرى يوضحها الانصاري وهي ان التوفيقية واختها (الوسطية) لا تشكل نظرية.. إنها مجرد تهويم لان التوفيقية تقوم على نقيضين ولا يمكن لنظرية ان تقوم على نقيضين.(الايمان بوحدة الحقيقة).هذا هو الكهف الذي دخلنا فيه ولم نخرج منه حتى الآن.mali@alyaum.com