محمد العلي
هذه اللا التي ضرب النحاة حولها اطنابهم واقاموا ما اقام عسيب.. ثم راحوا يحصون بدون كلل مواقعها في الجمل وما هي الجمل التي ترغب في السكن فيها وتلك التي تهجرها.. هذه اللا.. أي لاء النحويين لا اقصدها هنا، فانا اقصد لاء اخرى.قد تظن اني اقصد تلك التي حملها الشعراء ازدراءهم وراحوا يوزعونها او يرجمون بها كل من تخيلوا انه يقوم بينهم وبين ما يعشقون او يريدون او من يعشقون ويريدون.. كقول ذلك المعتوه:لا تعذليه فان العذل يولعهقد قلت حقا و لكن ليس يسمعهان ظنك هذا يجب ان تضرب عنقه لاني فعلا لا اقصد لاء الشعراء هذه.كما ارجو الا تكون (تربويا قراحا) فتظن اني اعني تلك اللا التي ألهبت ظهورنا ونحن صغار ثم ألهبنا بها ظهور ابنائنا: لا تفعل/ لا تتكلم/ لا تفكر/ لا تنس ان تقول دائما: (سمعا وطاعة) وكنا بذلك نرتع في الجهل ولا ندري.. لا.. لا.. لا تظن اني اعني هذه اللا.كانوا قديما يكنون عن السيدة لا بالسيدة العصا.. فاذا قيل جاء متأبطا لا.. أي انه جاء شاهرا عصاه.. وقد يدفعك هذا التعبير القديم الى الظن باني اقصد العصا التي كثرت في هذه الايام.. واقول لك بملء قواي العقلية والصوتية اني لا اقصد هذه اللا على الاطلاق.واخيرا لا يحملنك الوهم على الظن باني اعني لا للا مثل الادب للادب والفن للفن والفول للفول.. فانا وامثالي لن نصل الى درجة الترف هذه وابشرك باننا لن نصل اليها ابدا.. فهي للمترفين الذين احالوا الابداع الى ملهاة.ان (لا) التي اعنيها هي تلك المساوية للارادة.. تلك التي معناها (لا سمع ولا طاعة) تلك التي معناها عشق صعود الجبال.ومن لا يحب صعود الجباليعش ابد الدهر بين الحفروقيل ايضا: (ومن يعشق الحسناء لم يغله المهر).والحسناء التي تضمها لا بين حناياها هي التي يسمونها الحرية.كل عظماء التاريخ على الارض ومنهم عظماء تاريخنا عربيا واسلاميا قالوا: لا.. قالوها وهم يعرفون ما عليهم ان يدفعوه من ارزاقهم ومكاناتهم الاجتماعية.. بل من ارواحهم.. فمنهم من احرق حيا ومنهم من حيل بين جثمانه وبين مقابر المسلمين ومنهم من شرد او جلد او ترك في السجن حتى الموت.هذه هي اللا التي اقصدها.. وهي تقال طوال التاريخ بصيغ عديدة منها (الصمت) ولست اعني بالصمت صمت الامة العربية فهو ليس صمتا.. انه عجز اقصد به (الصمت الايجابي) اذا صح التعبير.