مطلق العنزي
وزير العدل، الفرنسية المغربية الأصل، رشيدة داتي، قررت حرمان امرأة من الجنسية الفرنسية. لو سألت باريس، مدينة النور والتنوير، وفرنسا، موئل ثورة حقوق الإنسان: ماذا فعلت المرأة المسكينة لكي تحرم من الجنسية؟. ربما كانت سلوكيتها منحرفة ؟ـ لا . ربما اشتركت في التخطيط لعمليات إرهابية أو انخرطت في جماعات مشبوهة؟ـ لا. ربما مارست سباباً أو شتماً علنياً أو سرياً لفرنسا ؟ـ لا.ربما تعادي السامية، ولا تعترف بـ«المحرقة»؟ـ لا.ربما دخلت الأراضي الفرنسية بطريقة غير مشروعة؟ـ لا.ربما لم تحقق النصاب القانوني لمنحها الجنسية الفرنسية؟ـ لا.إذاً.. ما الجريمة الكبرى التي ارتكبتها ؟ـ لأنها عربية مسلمة، ترتدي نقاباً .. والحجاب، في هذه الأيام، من أكبر «كبائر» الجرائم في فرنسا والغرب!!. وجريمتها الأخرى أنها «تطيع زوجها» ولا تعرف المبادىء العلمانية!!وسبق أن انخرطت فرنسا في جدال حول مشروعية الحجاب .. وأقرت قانوناً يحرم الحجاب في المدارس والدوائر الحكومية، بحجة أن الحجاب رمز ديني.والحقيقة أن الحجاب ليس رمزاً دينياً، وإنما هو رمز للحشمة في كل مكان .. وتتحجب نساء في جميع أنحاء العالم، من أديان وملل متنوعة، لأسباب الحشمة أولاً، وأحياناً لأسباب اجتماعية أو شخصية.. والغريب أن تكون الحشمة أو المبالغة في الحشمة جريمة .. بينما لو كانت هذه المرأة راقصة في «البغال» لما أصبح ذلك عقبة ولاستحقت الجنسية الفرنسية حالاً وفوراً.والنقاب مسألة شخصية.. وجعله معياراً للمواطنة هو «التمييز» بحد ذاته .. لأن ذلك يعني أن الأنظمة تختصر صلاح الإنسان في لبسه .. وهذا لم يقل به الأولون ولا الآخرون. ولم تقل به سوى فرنسا وتركيا وبعض الذين في قلوبهم «مرض صليبي» لأن الحروب الصليبية أحدثت مرض «إسلامفوبيا» ينتاب أوروبا كلما علت أصوات الكره. وهذا يعني أيضاً اعتبار كاهن بوذي معاديا لفرنسا، لأنه يرتدي لباسه الديني. ويتعين على فرنسا أن تسحب الجنسية من آلاف الفرنسيات اللاتي يضربن أزواجهن ويسكتن .. ونشر تقرير في ابريل الماضي قال إن 95 بالمائة من ضحايا العنف في فرنسا من النساء.. وتموت شهرياً ست فرنسيات بسبب العنف. وفي فرنسا وفي الغرب كله يتم التضييق على الإسلام وتسن الأنظمة للحد من أعداد المسلمين في الغرب، بحجج واهية لا تليق بشعارات حقوق الإنسان وشعارات حقوق المرأة. وقد أحدث مسئولو الدول الغربية والمنظمات الغربية (المسيسة) ضوضاء حول حقوق المرأة في افغانستان مثلاً، بينما يتم اضطهاد منهجي للمرأة في ربوع الغرب وتغيب حقوقها بسبب ارتدائها قطعة قماش .. ولا أكثر من ذلك نفاقاً.. وكان يتعين على فرنسا أن تقول إن اعتباراتها وطنية وسياسية وتكف عن التبجح بحقوق الإنسان.وبهذه المناسبة يجب التنويه إلى أنه في الولايات المتحدة الأمريكية وأسبانيا وبلدان كثيرة في العالم، عدا فرنسا وتركيا، لا توجد قيود قانونية على الحجاب ويعتبر حرية شخصية. وتربيد وسهب وحقول شوك، تتجشمها الراكضات الحفاة.في القلب حرقة، وباليد جمر النار، وفي المحاجر دمعة.الصوت تلتهمه وهاد السفوح الصامتة.ولكن الأمل يشرق، دائماً، في مهجة تقاوم اليأس والظلام. malanzi@alyaum.com