ربيع عبدالغفار

أشار تقرير لصحيفة (فاينانشال تايمز) البريطانية إلى أن الركود العالمي الذي بدأ منذ عقد من الزمان وفر تجربة ثرية لخبراء الاقتصاد في مجال سوق العمل، حيث ضرب عددا من البلدان التي لديها أنظمة عمل مختلفة بنفس المستوى وفي نفس الوقت تقريباً ما سمح ذلك للاقتصاديين بدراسة أنواع أسواق العمل التي تعمل تحت الضغوط.

ويقول (أندريا جارنيرو)، خبير أسواق العمل بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إن بعض أسواق العمل كانت تقوم بعمل كبير قبل الأزمة، ولكن تأثرت جميعها فجأة بالأزمة. ونوه التقرير إلى أن خبراء الاقتصاد نجحوا في استخلاص دروس جديدة من الأزمة ليس فقط حول كيفية تأسيس أسواق عمل ناجحة، ولكن أيضا في وضع تعريف للنجاح بالنسبة لها.

وخلص الباحثون إلى أن الحماية الصارمة للعمالة النظامية جعلت أرباب العمل أقل استعدادا لتوظيف موظفين دائمين عندما بدأ الانتعاش، وأدى ذلك أيضا إلى شيوع التوظيف بعقود مؤقتة، مما أدى إلى تفاقم مشكلات سوق العمل وخلق مستويين من مجموعة أساسية من العمال المحميين ومجموعة أخرى من الموظفين ممن تكون حياتهم المهنية محفوفة بالمخاطر وهم الأصغر سناً في الغالب.

وثمة استنتاج آخر لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي لكنه لم يكن متوقعاً فقد ثبت أن المفاوضة المركزية حول الأجور أو المنسقة يمكن أن تساعد أيضا أسواق العمل على التكيف بشكل أفضل مع الصدمات وذلك من خلال التعاون مع النقابات العمالية.

وأدت البلدان التي تتمتع بنظم تفاوض منسقة إلى التخفيف من حدة البطالة، لأن النقابات وأرباب العمل قد تفاوضوا لخفض ساعات العمل بدلا من خفض القوى العاملة. وفي بعض البلدان، مثل السويد، أدى انخفاض ساعات العمل إلى انخفاض إيرادات العمال أيضا، ولكن في بلدان أخرى مثل ألمانيا واليابان، تم تعويضهم عن طريق خطط عمل خاصة قصيرة الأجل.

والدروس المستفادة من صانعي السياسات هنا أهم لأن نجاح المفاوضة الاجتماعية يعتمد إلى حد كبير على مدى نجاح النقابات وأرباب العمل في التعاون فيما بينهم.

وقال جارنيرو إن التنسيق ليس شيئا يمكن تشريعه من خلال قوانين في يوم وليلة لكنه ممارسة تستند إلى قواعد غير مكتوبة وتطورات تاريخية ومستوى عال من الثقة بين الشركاء الاجتماعيين.

وفي فرنسا، يسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى اتخاذ مسار دقيق، فالإصلاحات تعطي أرباب العمل مزيدا من المرونة للاتفاق على بعض ترتيبات العمل المحددة على مستوى مكان العمل مع النقابات أو الموظفين، ولكن تظل المفاوضات الجماعية بحسب القطاع مهمة.

ويعكس تحول منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي بشأن المفاوضات الجماعية إعادة تفكير أوسع بين الاقتصاديين وصانعي السياسات وقد دفع ارتفاع الحالة الشعبوية التي ازدهرت في أوروبا أخيراً وكذلك في الولايات المتحدة التي تتمتع بمعدلات بطالة منخفضة، الاقتصاديين إلى التساؤل عما إذا كانوا قد ركزوا كثيرا على كمية الوظائف، ولكن ليس بشكل كاف من حيث جودتها وشموليتها ونزاهتها.

ويرى جارنيرو أنه يجب أن يكون هناك وعي أكثر بقضايا عدم المساواة، فليس الأمر مجرد دفع رواتب مجزية وإنما يتعلق بممارسات تجعل نظام العمل غير مستدام. وقد اتجهت بلدان أوروبا الجنوبية بما في ذلك إسبانيا والبرتغال واليونان نحو إصلاحات هيكلية إلى أسواق العمل بعد الأزمة لجعلها أكثر مرونة، ولكن التكلفة كانت تعرض الأجور ومستويات المعيشة لضربة قاسية.

وقال (بيرت كولين) وهو خبير اقتصادي في بنك (إي إن جي) الهولندي إن اللجوء لتلك التدابير وخاصة في أوقات الأزمات يصعب تمريرها بدون خسائر فقد خلقت مزيدا من المشاعر المعادية لمفهوم العولمة.

وقد وضعت منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي هذا العام مقياسا جديدا لنجاح سوق العمل يستند الى تسعة مؤشرات منها ثلاثة لكمية الوظائف، وثلاثة للجودة وثلاثة من أجل الشمولية.

ويشير التصنيف الجديد إلى أنه لا ينبغي أن يكون هناك مفاضلة بين كمية ونوعية الوظائف بل يجب الربط بينهما ولدى أيسلندا والسويد والنرويج والدنمارك معدلات عمالة عالية جدا ولكنها تحتل مرتبة جيدة أيضا في مقاييس منظمة التعاون والتنمية في المجالات الاقتصادية الأخرى.

اتجهت بلدان أوروبا الجنوبية بما في ذلك إسبانيا والبرتغال واليونان نحو إصلاحات هيكلية إلى أسواق العمل بعد الأزمة العالمية لجعلها أكثر مرونة، ولكن التكلفة كانت تعرض الأجور ومستويات المعيشة لضربة قاسية. إن اللجوء لتلك التدابير، وخاصة في أوقات الأزمات، يصعب تمريرها بدون خسائر، فقد خلقت مزيدا من المشاعر المعادية لمفهوم العولمة