حسن السبع
الإنسان، كما يرى أمارتيا صن في كتابه (الهوية والعنف) ترجمة سحر توفيق ، عبارة عن «كوكتيل هويات»، وإن لم يستخدم أمارتيا صن التعبير نفسه. معنى هذا أنه مجموعة انتماءات تتعلق بالجنس واللغة والمهنة والهواية والحس الجمالي والطبقة والوسط الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والحيز الجغرافي. كما أن في كل فرد بعدا أحاديا لا يمكن تجاهله. ولهذا يتعذر تصنيفه أو «حشره» في زاوية ضيقة، فذلك يعني «تصغيره»، وعليك بعد ذلك، يقول أمارتيا صن، أن تتخيل «الآثار المروعة لتصغير الناس» أو تحويل الأفراد إلى «أشخاص محبوسين داخل صناديق صغيرة» وما قد يترتب على ذلك الفرز والتصنيف من صراعات.وما يقوله الشاعر العربي عن الأصل «لا تقل أصلي وفصلي أبدا.. إنما أصل الفتى ما قد حصل» يلخص بكلمات قليلة فكرة أمارتيا صن عن الهوية، وكذلك ما يقوله جان بول سارتر وهو أن «الإنسان ليس إلا مشروعه الإنساني الخاص.. وهو لا يوجد إلا بمقدار ما يحققه ذلك المشروع.. فهو عبارة عن مجموعة أعمال تكوّن حياته». أي أنه «ما حصل».. فقط لا غير! ويمكن التعبير عن حقيقة الإنسان المفردة شعرا على النحو التالي: «الملامحُ، يا من يحدّقُ في وجهيَ، الآنَ، بوصلةٌ كاذبة.. والملابسُ مثل الملامحِ، مثل العناوين ليست سوى عدَّةٍ للتنكرِ في حفلةٍ باردة.. لغتي وحدها الطريقُ إلى الضوءِ، فاصغ إليَّ قليلاً لتختصرَ الليلَ/ تجتازَ حزنَ المسافةِ بيني وبينك في لحظةٍ واعدة». في المقال السابق شرحتُ كيف «حشرني» مفتش الجمارك الفرنسي داخل ذلك «الصندوق الصغير». حسب تعبير أمارتيا صن. شكّل لي «هوية» على عجل، بعد أن نظر إلى ما هو ظاهر أمامه: اللون والمظهر وجواز السفر. لم ينظر إلى ما يسمى ب «الماهية». صنع من هوية الخارج هوية داخلية مع أنه لم يطلع على ما يخفيه الداخل من أسرار، وما يختزنه من مفاهيم وميول ومشاعر وقناعات، لا تكشف عنها إلا اللغة: «لغتي وحدها الطريق إلى الضوء» هذا إذا لم تكن لغة مراوغة تخفي أكثر مما تظهر من الأفكار.في كثير من الصراعات يتصادم الناس رافعين لا فتات وشعارات زئبقية مراوغة، لكنهم يتعاملون معها باعتبارها مسلَّمات لا يرقى إليها الشك. وهو ما يسميه أمارتيا صن ب (عنف الوهم). أما أكثر الناس انجذابا إلى تلك الأوهام فهم البسطاء، لأنهم البيادق التي يحركها المتلاعبون بالعقول، وهم حطب الصراع ورماده في نهاية المطاف، وهم الرهان السهل والورقة الرابحة، لأنهم لا يملكون حرية الاختيار، ولا القدرة على التمييز، فيقعون ضحايا حذلقة المولعين بعزل الناس عن حقائقهم المفردة، والتحريض على الاحتراب لتصبح الحياة بركة آسنة من الحزن. لذلك كله تبدو المطابقة أكثر وضوحا عند أصحاب ذلك السلوك القطيعي الامتثالي الذين لا يملكون ذلك الحس النقدي القادر على التمييز، والذين ارتضوا (وصاية) من يفكر نيابة عنهم. لنتأمل هذه الحكاية الغريبة: كان أحدهم يعبر الشارع، فرأى، بالمصادفة، جمعا من الناس يوسعون أحدهم ضربا وركلا، عندئذ شمَّر العابر عن ساعديه وانضم يشارك الجميع فعلهم بحماسة بالغة، دون أن يسأل عما فعله الرجل لكي يستحق ذلك العقاب. عندما مضى كل واحد إلى حال سبيله، لحق المعتدى عليه بالرجل يسأله: لماذا شاركت الآخرين في الاعتداء علي وأنت لا تعرفني، وليس بيني وبينك ما يوجب ذلك. تجاهل الرجل ذلك السؤال وذهب إلى حال سبيله. ولو اجتهدنا في تبرير سلوك ذلك الرجل لا فترضنا أنه سلوك امتثالي سائد لدى العامة، وصاحب الشخصية الامتثالية لا يسأل: لماذا أو كيف؟ ولديه استعداد لأن يكون وقودا للصراعات في كل زمان ومكان. غير أن كل ما تقدم من كلام عن التباينات بين الأفراد، لا يلغي بأي حال من الأحوال الخصوصية الناتجة عن تأثير المحيط الثقافي، والتي تلعب دورا كبيرا في تشكيل شخصية الفرد، وتؤثر في طبيعة تفكيره ونظرته إلى الأمور، إلا أنه من الممكن تجاوز حواجز تلك الخصوصية إذا ما توفر الوعي والحس النقدي، والقدرة على الفرز والاختيار المسؤول. وللمقال بقية.hsn_saba@hotmail.com