محمد العصيمي
لست فزعا من الغبار الذي يدفننا تدريجيا هذه الأيام، فأنا قادم من الصحراء وعائد إليها: من التراب إلى التراب كما يقولون. كنا أيام زمان، في قرب عهدنا بالبداوة، نسكن البر لثلاثة أوأربعة أشهر ونتعرض لكل ما يتعرض له البدو الرحل. وقد اكتسبت مناعة شديدة في صدري وخياشيمي إلى درجة أنني لم أعد أطيق العيش دون غبار، حتى إنني في أيام صفاء الجو أخرج إلى الشارع وأستثير بعض التراب ليغبر في وجهي ثم أعود وقد تزودت بجرعة تطفئ حالة الإدمان التي تعتريني بمجرد أن يصفو الجو. ولذلك أستغرب من مواقف بعض أناسنا هذه الأيام الذين يتأففون من موجة الغبار الأخيرة وكأنهم قادمون من مناطق الغابات المطيرة أو ولدوا على سفوح جبال (سورابايا) في أندونيسيا. وبالمناسبة فإن ما يثير أسفي غير الغبار الذي يتسبب به الطقس تغبير الناس على خادماتهم وسائقيهم، الذين يأتون من مناطق غاية في الإبداع وجمال الطبيعة، ثم يقعون، مضطرين، في حبائل غبار الطقس وغبار الناس الذين يُشغلونهم، ولا يراعون فيهم ذمة في غربتهم ومعاناتهم وتعبهم ورواتبهم.!!أما ما أثارني مؤخرا ووضعني في حيص بيص مع فتاوى الغبار، كما يحدث عندما تطرح شركة جديدة للمساهمة، فهو عدد ما استقبلت من رسائل الجوال من متبرعين بتفسير هذه الظاهرة. وهم، طبعا، ليس لهم من العلم إلا بقدر ما لعالم الذَّرََّة في كوز الذُّرة. يرسل بعضهم بفم مليان وثقة عمياء أن الغبار نتيجة المعاصي، وأن المعاصي تزول، ومعها الغبار، بالإكثار من الاستغفار، فاستغفروا يرحمكم الله وينجلي الغبار الذي تستثيره معاصيكم. ويرسل آخر: هل نتعظ أم أننا نبقى سادرين في غينا ليزيد الغبار ونبقى نتنفس ترابا وقرفا من طقسنا.!!ما من شك في أن رحمة الله واسعة وأنه يحب التوابين ويحب المستغفرين، لكننا نتحدث هنا عن ظواهر جوية وجغرافية لا علاقة لها بالمعاصي ولا بالذنوب. ومن حكمة الخالق أنه أعطى لندن وباقي أوروبا الغربية طقسا مائلا إلى البرودة في الصيف ومائلا إلى الصقيع في الشتاء. وأعطى السنغافوريين بلدا خضراء لا توجد فيها حبة رمل طائرة لأنها محاطة بالبحر من كل أطرافها وبجبال وغابات على الحدود مع جيرانها. وأعطانا الغبار لأن صحراءنا وصحاري جيراننا تمتد لآلاف الكيلومترات وهي تشحن بطارياتها الضخمة بالرمال لتدفن صدورنا وبيوتنا. أما إذا أردنا حقيقة الغبار فلنأخذها من أفواه المختصين وليس من جوالات المتبرعين بالفتاوى. الخبير الفلكي جبر الدوسري يعزو تجدد موجة الغبار بشكل كثيف إلى منخفضات على المحيط الهندي، يقابلها مرتفعات على البحر الأبيض المتوسط (....) وأن موجة الغبار ستنتهي بشكل كامل بعد 24 يوماً. أما موجة الغبار القوية القادمة فستستمر لمدة 10 أيام وتعاود الهدوء لمدة 3 أيام ثم تبدأ فصول موجة غبار أخرى وستكون الأخيرة. أعلم أن للغبار موجة أخيرة، لكنني لا أعلم متى ستكون الموجة الأخيرة لمن يقذفوننا بالمعاصي والذنوب بمجرد أن تهب عاصفة من منخفض المحيط الهندي ومرتفعات البحر المتوسط..؟! أستغفر الله.osaimin@yahoo.com