محمد العصيمي
أخيرا عثرت على لاعب كرة يتحدث من رأسه وليس من قدمه فقط. لست كرويا ولا متابعا لكرة القدم التي يعشقها الملايين، فأنا محروم من هذه المتعة ولا أفهم فيها إلا كما يفهم حمار أهلي الرياضيات الحديثة.أما إذا ظهر على الشاشة لاعب من لاعبينا يتحدث فإنني أصاب بالزكام والصداع وقلة الراحة من حديثه، حيث لا لغة ولا أسلوب ولا ثقافة، ومع كل ذلك يرفع (خشمه) وكأنه أبو زيد الهلالي في زمانه أو صلاح الدين في حطين. اللاعب العربي الذي استوقفني وتسمرت أمام الشاشة أستمع لحديثه الذهبي هو المصري محمد أبو تريكة، الذي لم يكن يرفع في ذلك البرنامج عينيه في عيني المذيع خجلا. وإذا عبر عن شيء تدفق مثل قصيدة مقفاة وموزونة لا شطط فيها ولا نشاز ولا استعلاء، كما تعودنا من بعض جهابذة ملاعبنا الذين يتناقشون ويتصايحون مثل الصغار.هذا اللاعب، أعني أبو تريكة، سيترك بصمة رائعة وكبيرة في الملاعب العربية. بصمة لا تشبه أحدا ولا يشبهها أحد، فهو لا يلعب الكرة ويتفنن فيها من أجلها ومن أجل مغانمها فقط، بل يلعبها ليرسل من خلالها مجموعة رسائل للشباب الذين يفتقدون القدوات في طريقهم إلى المستقبل.لقد كان أبو تريكة حديث الناس، حين أعلن لثوان تضامنه مع أوضاع أهلنا في غزة، بعد أن طاردته الكاميرا وهو يقفز في الملعب بعد تسجيله هدفا في بطولة كأس الأمم الأفريقية الأخيرة، وكانت قفزاته مصحوبة بعبارة «تعاطفا مع غزة» على فانيلته الداخلية. وقتها حصل على بطاقة صفراء وعلى ملايين البطاقات البيضاء حول العالم لجرأته واستغلاله الزمان والمكان المناسبين ليعلن هذا التعاطف ويذكر العالم الغافل بمأساة غزة. أبو تريكة نفسه قبل دعوة أحد زملائه الأقباط ليقضي يوما في أحد كنائس مصر الجديدة، وقد عبر عن سعادته واغتباطه باحتفاء الحاضرين في الكنيسة بزيارته لهم وقبوله دعوتهم، بالرغم من التحفظات التي ظهرت هنا وهناك تحتج على هذه الزيارة. لكن الرجل الواعي واللاعب المثالي لم يلتفت لهذه الاحتجاجات معتبرا أن دينه له ودينهم لهم والوطن له ولهم. ولكم أن تتخيلوا كيف يؤثر مثل هذا الموقف الذي يتخذه نجم كرة قدم مرموق في ملايين الشباب، الذين يدخلون كل يوم مكائن غسيل الأدمغة ليخرجوا من الطرف الآخر موبوئين بالتطرف والإلغاءات والتعامل على الهوية الدينية والمذهبية.كم أتمنى لو أن كل لاعبي كرة القدم في عالمنا العربي هم محمد أبو تريكة. إذن لأصبح لدينا نماذج بشرية متحركة تُفتح أذهان الشباب وترسلهم إلى المعلوم الموزون من القول والفعل بدل إرسالهم إلى المجهول ليزدادوا جهلا وتطرفا. وفقنا الله.osaimi@yahoo.com