محمد الحرز
العلاقة بين المثقف والمجتمع علاقة ملتبسة تشوبها الاضطرابات والتنازعات, محكومة في أغلب حالاتها بحتمية التصادم, والأسباب التي تفضي إلى ذلك عديدة ومتنوعة. بعضها يرجع إلى طبيعة تكوين المثقف فكريا وروحيا وأخلاقيا, والبعض الآخر إلى السمات العامة التي يتسم بها المجتمع من صفات ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية.ناهيك عن طبيعة الثقافة والمعرفة التي تتصل بالسياق العام للثقافة المعاصرة.لذلك يصعب معرفة الإشكالية الحقيقية التي تمسهذه العلاقة من العمق.لكن الدعاوى والمقولات التي ترتبط بهذه الإشكالية دائما ما تتحدث عن مفارقة وعي المثقف عن وعي مجتمعه, وتفكيره عن تفكيرهم,وهمومه عن همومهم. أي أنه ينتج عن هذه الحالة شعور عميق لدى المثقف بأنه مناط بمهمة تنوير المجتمع , واقتياده إلى مدارج التقدم والتطور.بالمقابل طبيعة تصورات المجتمع عن المثقف ليست ذات صبغة واحدة, أو لون واحد, لكنها متعددة بتعدد فئات المجتمع نفسه وتنوعه ثقافيا وعقائديا واجتماعيا.وبالتالي عن أي فئة من فئات المجتمع يمكن أن نجد عندها تصورا عن المثقف يطابق تصور المثقف عن نفسه؟ سؤال في تصوري يظهر مأزقا حقيقيا يعيشه المثقف بالدرجة الأولى..ذلك المثقف الذي يريد أن يكون خطابه شاملا لكل فئات المجتمع وموجها إليهم باختلاف عقائدهم وعاداتهم وثقافتهم. لكنه في حقيقة الأمر مهما حاول وجاهد, تظل هناك ثغرات في خطابه تدل على أنه يشير إلى فئة محددة من المجتمع تعنيه بالدرجة الأولى. والسبب يرجع إلى كون المثقف ليس مقطوع الصلة من التأثيرات النفسية والاجتماعية والأخلاقية للمجتمع الذي عاش فيه والتصق بها منذ الطفولة, مهما حاول التحرر من هذه الصلة أو حاول قمعها. هنا في تصوري الالتباس الذي نقع فيه كمثقفين , ففي حين نريد أن نكون موضوعيين وحياديين في وجهات نظرنا حول جملة من قضايا مجتمعنا, فإننا بالتأكيد سوف نواجه بمعوقات, تمنع قيام مثل هذه الموضوعية, من أهمها أننا لا يمكن أن نتخلص من تلك الصلة التي أوثقت رباطها جيدا وشكلتنا, على الأقل على المستوى الأخلاقي والروحي بالقدر الذي نسعى للتحرر منها. هذا الالتباس أو الوهم يتجلى بصورة واضحة في خطاب بعض المثقفين الذين يتخفون وراء مقولاتهم ونظرياتهم , ولا يتركون أثرا هشا يكشف عن تناقضات ذواتهم نتيجة تبني هذه النظرية أو تلك , أو هذا المنهج أو ذاك. لذلك دائما ما تتسم خطاباتهم بنبرة وثوقية وحاسمة في طرح القضايا الفكرية والاجتماعية, وفي ذهني مثال يوافق ما نذهب إليه. فالكاتب والمفكر الأستاذ إبراهيم البليهي لا شك هو من أبرز المفكرين في ساحتنا الثقافية , ولكن ملاحظتنا عليه تكمن هنا بالتحديد , فهو يطرح في بعض مقالاته وكتبه مقولات ترتفع عنده إلى درجة الثبات والتسليم , فعلى سبيل المثال مقولة « التخلف العربي» التي أصبحت عنده لازمة وهاجسا لا ينفك يوجه تحليله الفكري والثقافي. ونحن نعلم تماما أن هذه المقولة تستدعي مقولة أخرى, في عملية تواطؤ ضمني, وهي مقولة « التفوق الغربي» . فإذا ما تم استدعاء الأولى في الخطاب فإن الأخرى تكون حاضرة بقوة , سواء جاء ذلك تصريحا أو تلميحا. فالكاتب البليهي يرى إلى الثقافة العربية مجرد عطالة كبرى في الإنتاج المعرفي الحضاري بإزاء ما أنتجته اليونان , ومن ثم لا حقا الحضارة الغربية في شتى فروع المعرفة الإنسانية والعلمية والأدبية. هذه الرؤيا التي يتكئ عليها في تحليله , رغم وجاهتها من جهة , إلا أنها من جهة أخرى تتغافل أن تحليل التاريخ لا يختزل في تحليل الأفكار وسياقاته فقط . وإنما هو رؤيا انثروبولوجية, وتحليل اقتصادي وسياسي وعقائدي وتأمل منهجي, وليست الأفكار التي نحللها أو نقاربها أو تلك التي نتبناها في خطابنا سوى حصيلة هذه الرؤيا وهذا التحليل. وبالتالي يصعب على الباحث في قراءته للتاريخ الركون إلى الثنائيات في تحليل المفاهيم التاريخية من قبيل ثنائية « التخلف/التفوق» إذا ما أراد استخلاص العبر والنظر والدرس المعرفي منها. يقع أغلب الباحثين في هذا النوع من الاختزال بسبب كما قلنا الاختفاء وراء وهم الموضوعية التي تحاول أن تتسم به جميع الخطابات بشكل عام. وبناء عليه لا تجد في خطاب مثقفينا هذا الجدل المتواصل بين الذات الموضوع , في مقارباته لشتى القضايا والأزمات سواء الفكرية منها أو الأدبية والاجتماعية , حتى الغذامي- على سبيل المثال- في كتابه « حكاية الحداثة» حينما أراد إظهار هذا الجدل بين الاتجاهين في ثنايا كتابه وقع في فخ تضخيم الذات وتذويب الجدل الموضوعي في تلاوينها , وبالتالي لم يبرز الجانب الهش من هذه الذات , وكذلك الجانب المتناقض منها , خصوصا في ارتباطها مع تاريخ إنتاجها المعرفي والفكري سواء على مستوى المنهج أو النظرية. وهذا ما أسميه بالجانب الهش من الذات الذي نفتقد تحليله ونقده في خطاب النخب المثقفة. ويمكن إبراز شواهد عديدة على هذا الفخ الذي يقع فيه المثقفون . لكن نكتفي بهذا الشاهد , لأننا نريد أن ندلل من كل هذا أن ثمة علاقة طردية بين هذا الفخ الذي نتحدث عنه من جهة , وبين العلاقة الملتبسة التي تحكم المثقف بمجتمعه كما أشرنا سابقا. ولكن في مقالة أخرى بإذن الله. Mohmed_z.hotmail.com