محمد العصيمي
تعودنا من الطائف العنب والبرشومي والورد والنسيم العليل، ولم نتعود المجازر التي ترسل أكثر من ستة أشخاص إلى المقبرة، وتدفن أكثر من هذا العدد في السجون أوتضعهم تحت احتمالات الإعدام لأن النفس بالنفس.في الطائف، حيث يذهب الناس للنزهة والمتعة، غابت قبل أيام ثقافة القانون، فأصبح كل شيء متاحا ومباحا: الجهل والحماقة والقتل المتعمد. رجال ماتوا ورجال ينتظرون الموت، وعيال تيتموا وزوجات يترملن، والسبب خلاف بين طرفين على قطعة أرض، حيث لم يحتمل طرف طرفا، وبدل اللجوء إلى المحكمة لإنهاء الخلاف تم اللجوء إلى أزيز الرصاص وقبض الأرواح، بعد أن عميت الأبصار وقلت حكمة المختلفين. وإذا كنا سنعتبر من حدوث هذه المجزرة المؤسفة فإن لاعتبارنا مدارين، أولهما طغيان المغانم المادية على كل ما عداها، وغياب ثقافة القانون، حيث تصبح الحياة غابة يشهر فيها من أراد سلاحه لينزع حقه بقوة السلاح لتكون النتيجة موتا وخراب ديار. لا يحدث هذا عندنا فقط، بل في كل بقعة من هذا العالم الذي يتسلط بعضه على رقاب بعض، بعيدا عن سلطة القانون، لمجرد مغنم زائل أو طمع بجناح بعوضة.حياتنا اليوم شديدة الحرج وشديدة الابتلاء لعقولنا وحكمتنا في التصرف مع خلافاتنا، حتى أننا صرنا نبيت على مأساة ونصبح على مثلها، بينما تغيب القراءات الجادة والدراسات الحقيقية، الاجتماعية والنفسية، عن تفسير هذه الظواهر التي تنتشر بين الناس مثل الوباء. كنت، ولا أزال، أترقب مع كل مأساة من هذا القبيل قراءة متعمقة من المختصين، ليشرحوا لنا كيف يُقبل إنسان على إزهاق روح إنسان آخر من أجل قطعة أرض أو حفنة دراهم؟ وكيف يقدم أب على تعذيب ابنه، فلذة كبده، حتى الموت؟ وكيف تجسر امرأة على التضحية بشرف ابنتها من أجل لقمة عيشها.؟أعلم أن فحوى هذه الأسئلة مؤلمة، لكن لابد من طرحها، إذا أردنا أن نفتش في بطن المجتمع عن أسباب التسمم. حين يكون المجتمع، أي مجتمع، متمتعا بالوفرة المادية وبروادع التدين وبالقانون الذي تفرضه الدولة وتديره المحاكم، ثم تحدث فيه مجزرة مثل مجزرة الطائف، فإن هناك شيئا لا ندركه بالعيون والأماني المجردة. ما نحن بحاجة إليه وبسرعة هو أن تتصدى دور الدراسات الاجتماعية للغوص في هذه الظواهر وتفسيرها ليمكن القضاء عليها أو الحد منها على الأقل. أما تركها هكذا تسير على هواها وتفعل أفاعيلها في سلامة وأمن المجتمع فسيؤدي إلى مزيد من الكوارث والفواجع. لتكن، إذن، هذه المجزرة منطلق دراسة اجتماعية شاملة، وليتصدى لها إذا شاء مركز أسبار الشهير، الذي أمدنا بكثير من الدرسات القيمة.osaimin@yahoo.com