مطلق العنزي
كانت القوافل المتعبة بعذاب الهجير والعطش.. تعبر أقمار الدهناء، ونجومها. من وديان القصيم، وبطن أجا، وسفوح العارض ميممة مطلع الأمل..يمرون بالدهنا خفافا عيابهم ويعدن من دارين بجر الحقائب[الصناجة ـ الأعشى]قوت السرى أناشيد تعانيق صدى مواطيء العيس الناعسات، إذ تجتاز خمائل القيصوم، والمفازات العطشى. وإذ المسافات، ليالي وأقماراً وخطى بطول عروق رمل تمتد ما شاء لها الليل، ما لم تكل خفاف المطي..وكان عناقهم الدهناء ورياح الشمال.. ما لم تكل خفاف المطي، إذ غيلان المأخوذ بعشق ربل حوضى ومناهل نجد يغني أناشيد الخلود:وإذ هنَّ أكْتادٌ بحَوضى كأنما زَها الآلُ عِيدانَ النّخيلِ البَواسِقِ [ذو الرمة]كانت حكايات الناس المبهرة، عن السرى، والعطش، ومرابع الأبل.. وحليب المغاتير.. وعن الغزو ومعارك الصحراء.ودروب القوافل.كان عالماً خاصاً ومحدوداً، تآلف مع العطش والفقر والوفير من الجهل. وامتد آلاف السنين، وهو أسير معاناة يومية متصلة.. ولم يكن يتوخى خلاصا.في القرن العشرين.. قيض الله لهذه الأرض الخالدة عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، فبدأ جهاداً عبقرياً وأحياناً اسطوريا، لتوحيد الكينونات العزلى المشتتة الواهنة المهمومة بآلامها المحلية.فجعل من هذا الفتات الصعب المراس والتوحيد، وطناً واحداً وصلباً يشارك بفاعلية في صناعة التاريخ بعد أن كان يعيش على أصداء الفعل. وصدر مرسوم بتوحيد الوطن باسم «المملكة العربية السعودية» في 17 جمادى الأولى 1351هـوحينما اكتملت ملحمة التوحيد.. بدأت قصة أخرى ليست أقل إبهاراً وروعة من التوحيد نفسه. هي قصة ولادة شركة الزيت العربية «ارامكو». التي نقلت الكيان الموحد من حالة البؤس إلى «فتوحات» جديدة في علاقاته بالحياة. ففي يوم الاثنين 5 صفر 1352هـ ـ29 مايو 1933م وقعت الحكومة السعودية اتفاقية استخراج الزيت مع شركة ستاندارد أويل أف كاليفورنيا الأمريكية. (يبدو في سجلات الشركة أن الاتفاقية وقعت في 4 صفر ولكن في تقويم ام القرى 29 مايو توافق يوم 5 صفر). وسميت الشركة «شركة الزيت العربية الأمريكية» «أرامكو» وكانت بداية حقبة جديدة من التاريخ. وبعد نحو نصف قرن امتلكت الحكومة السعودية الشركة بالكامل وسمتها «شركة الزيت العربية السعودية» التي رأت أن تعرف اختصاراً بـ«أرامكو السعودية».وكان كل يوم عرم من الـ75 عاماً، مثيراً. لأن الشركة كانت في كل يوم تضيف قيمة جديدة للوطن والمجتمع. ولم تكن هذه القيم محصورة في إنتاج النفط وملء الخزينة السعودية بالأموال. ولكن القيم الأكثر تأثيراً بالنسبة لي هي القيم الفكرية والاجتماعية والإدارية والبحثية والابتكارية، والعقول السعودية التي تمت صياغتها بـ«ثقافة أرامكو» المهنية. وبقيت أرامكو السعودية «نموذجاً» خاصاً يقترب أن يكون «مقدساً إدارياً»، ومثيراً حتى وإن أحدثت عاديات الزمن «ترهلات» ونمو «فطريات» في بعض جوانبها، مثلما يقال ان القيم الإدارية تهمل خلسة بعيداً عن أنظار المخلصين في الشركة، لحساب محسوبيات الموظفين الرديئين. وهذه يمكن التخلص منها تماماً بعمليات جراحية مركزة. وحتماً الشركة لا تعدم الأساليب المثلى للتخلص من هذه الأوجاع.«أرامكو» كيان بنى بخليط فذ من مشاعر وتضحيات وسهر ليال وطموح تواق للقاء الشمس. ومهج أعطت كل سلافها وخلاصات روعتها، فتحتم أن نصفق لها وأن نكتب أنشودة خالدة في نبض القلب وثرى الأرض، وجبين التاريخ الزاهي.وأن نشد على أيدي الرجال العصاميين الذين أبقوا على أرامكو كياناً عالمياً شامخاً ويحظى بصدقية مستمرة بعد أن رحل الشريك الأمريكي.حَلَفْتُ لَقَدْ أوْلَيْتَنِي مِنْكَ نِعْمَة ً بها الشكْرُ يُغْرى والمحامِدُ تلْهَجُ[أبن الخياط]ولا بد أيضاً أن نشيد بالأمريكيين، الأوائل والمعاصرين، الذين عملوا بمهنية عالية وإخلاص لخدمة الشركة والمملكة والقطاع. وبعضهم أخلص للشركة أكثر من سعوديين. ونذكرهم، كما يليق بكرام، بكل الاحترام والعرفان.==1==ليشكرنك مني الدهر أربعة ٌ==0== ==0==نفسٌ وروحٌ ولحمٌ نابتٌ ودم==2== [أبن نباته]