محمد العصيمي

محمد العصيمي

لم ينفض سامر احتفالات أرامكو بعد، رغم مرور أكثر من أسبوع على ذلك الاحتفال البهيج، الذي شهدته الظهران وتابعته المملكة من جبال السروات العملاقة إلى أودية الشمال السحيقة. لم يكن ممكنا أن تنتهي مباهج مرور خمس وسبعين سنة على تأسيس الشركة وانطلاقة صناعة البترول بالمملكة بمجرد أن تغيب شمس ذلك اليوم، الذي ارتفعت هامته عاليا بالحضور الكبير لخادم الحرمين الشريفين، الذي أنعم بإنسانيته ولطفه على الكثيرين من مفاتيح الاحتفال، الشباب والأطفال، حين حدثهم وابتسم لهم ودعا لهم بالبركة والعافية.ما يهمني، ككاتب وليس (كأرامكوي) كما هو معروف عند البعض، أنني مع الناس الحاضرين، خرجت من ذلك الاحتفال محملا بمعلومات وانطباعات عن أسلافنا المعاصرين، الذين سفحوا العرق كريما معطاء على أرض النفط السعودبة الواسعة . كان هؤلاء الأسلاف على مستوى التوقعات : يأكلون ما تيسر ويشربون ما يتاح ويسكنون الخيام ويفترشون الأرض ويتلحفون السماء، وإذا أصبحوا مضوا مع الطيور إلى مواقع أعمالهم يحملون على أكتفاهم آمالا عراضا بالكفاف وحسن المعيشة، بعد سوئها وضيقها وندرة منافذها إلى الراحة والرفاه.ولأنهم كذلك ـ أي لأنهم شربوا الشمس وطفحوا المعاناة ـ صار بعضهم أهلا للحياة الأفضل : التعليم والتأهيل والابتعاث، ثم الوظائف المتقدمة، قيادية وتشغيلية، في الشركة، وبينما كانت البلد، بعد ذلك، تتداول قدرة السعودي على المكاره العملية وشروط الإنتاج، كان السعوديون الأرامكويون نماذج متحركة على الأرض الصعبة والدقيقة لصناعة النفط ، وبلغ منهم من بلغ مناصب قيادية عليا، بعد أن كان يحلم بكسرة خبز وشربة ماء نظيفة، كذلك فإن أسلافنا تمتعوا بالقدرة على تجاهل مثبطات العزائم، التي حمل لواءها بعض الكتاب والمثقفين العرب، حين تسابقوا ليضعوا العصي في دولاب البترول السعودي. لقد كسّر البدو الرحل والمزارعون البدائيون والجمالة والبحارة هذه العصي عصى عصى، ومضوا في طريقهم يوما بعد يوم وسنة بعد سنة، حتى إذا حق الحق وبلغت الشركة أشدها وبلغت خمسا وسبعين سنة، اكتشف المرجفون أن دولة النفط السعودي ومدنه مزدهرة، وأن أهلها يقبضون على اقتصاد قوي ومجتمع مستقر وشهادات عليا ومستقبل مفتوح على الاحتمالات الأفضل والأكثر ازدهارا.إذن أولئك هم أسلافنا النفطيون ونحن أبناؤهم على خطاهم سلفيون : نمضي في طريقنا، لا يضرنا من يحاول أن يبيعنا الأوهام ولا تؤثر فينا المثبطات والموبقات. كل ما نحن معنيون به هو وطننا ومستقبل أطفالنا.. وفقنا الله.osaimin@yahoo.com