محمد العصيمي
لحسن الحظ أن مقالي الأسبوع الماضي، لخطأ فني، لم يصل إلى الجريدة وبالتالي لم ينشر. كان المقال عبارة عن وجهة نظر نورة (8 سنوات) في الوضع اللبناني والصيف البيروتي الذي حرمنا منه بسبب التناحر على الكعكة اللبنانية الضيقة. اللبنانيون اتفقوا في الدوحة وتواعد الناس في الخليج على صيف بيروت والجبل. أما لبنان هذا فهو أعجب العجب، حيث لم يبق إنسان على وجه الأرض إلا وتفاعل مع أحداثه وتمنى له السلامة والخير. يتساوى في ذلك من يسكن عنيزة ومن يسكن باريس. كأن الدنيا لا تقعد، إذا قامت، إلا بقعود هذا اللبنان الذي يمارس المفارقات، والتفرقات، بقدر ما يمارس أهله ابتكار الأطباق على الموائد المشفوعة بالتراحيب شديدة الحرارة وشديدة الخصوصية.وأهم ما في لبنان، بالنسبة لي، جرأة أهله على النقاش حول مصيره، فإذا كان نبيه بري أو وليد جنبلاط يعطيان وجهة نظرهما في الحل للمعضل اللبناني، فإن بائعة فطائر الزعتر على كورنيش المنارة وسائق التاكسي العابر لمنطقة (الهوليدي إن) لا يقلون أهمية ولا ثقلا تجاه اجتراح الحلول واقتراح المناصفات والمثالثات الانتخابية.لم يحدث أن امتطيت (سيرفيس) دون أن أستثير سائقه حول مصير الشعوب. وبمجرد أن أطرح السؤال يتدفق السائق بأكوام من النظريات والحلول التي يقصر دونها الأمين العام للأمم المتحدة وكل أعضاء مجلس الأمن الدولي. اللبناني شديد الاعتزاز بنظرياته. وقد يخطف عينك بسبحته المذهبة التي ربما لا يملك من متاع الدنيا غيرها، مع شيء من التنطع والتمطع لكي يشبه باقي المليونيرات الحفاة الذين يصرون على ركوب المرسيدس حتى لو كان ثمنها قيمة البيت وأقساط المدرسة.علم هؤلاء اللبنانيون الناس كيف يعيشون ويعشقون ويسهرون، حتى أن نظرية سقوط معنى الحياة بدون عشق وسهر خرجت من هناك. ربما من شارع الحمراء أو من ركن في رأس بيروت، حيث يتخاطف طلبة وطالبات الجامعة الأمريكية النظرات وأسباب التفوق: (اللي ما بيسهر وبيعشق لا شو حياته؟). سؤال وجيه، لكن وجاهته تكون أكثر اكتظاظا وحضورا حين لبنانيا يتغدى التبولة ويتعشى الغرام الذي لا مفر منه. لهذا السبب، أي للتبولة والغرام، سقط الخليجيون في حب لبنان، حيث تبتل عروقهم كل صيف بعد طول جفاف في مدنهم الجافة المغبرة. ولذلك حق لذلك المسن الخليجي أن يعتبر لبنان حالة خاصة لا تشبهها حالة أخرى، لا في العرب ولا في الغرب، وحق له أن يعطي قسما من دعائه عقب كل صلاة للبنان، حيث لا يحلو الصيف بدونه. ولذلك هو ضرب لي موعدا هناك هذا الصيف، على أمل أن يصمد اتفاق اللبنانيين بعد أن طالت خلافاتهم واشتد تناحرهم على حب لبنان. osaimi@yahoo.com