محمد الحرز

محمد الحرز

هناك مفهومان يشكل غيابهما وانحسارهما عن المشهد الثقافي والشعري في ساحتنا إحدى الأزمات التي تمس النصوص الإبداعية من العمق. الأول هو مفهوم الحس المشترك في تجارب الشعراء في السعودية. والآخر هو مفهوم الجسد وذلك فيما يتصل بتلك التجارب. والبحث عن دلالة هذا الغياب والانحسار هو ما نريد أن نركز عليه في هذه المقالة. بداية أود أن أشير إلى أن مفهوم الحس المشترك فيما يخص بالدرجة الأولى تجارب الشعراء هو وثيق الصلة بجوهر التصور الإنساني للحياة والكون والطبيعة, وهو تصور متضمن في موقفنا من الشعر وفي أشكال كتابته, ويمكن تشبيهه هنا بالخيط الفاصل الرفيع بين الوعي الفلسفي والوعي الشعري, ولكن دون تمايز أو فصل بين وعي وآخر. وكما نرى أن الكشف عن هذا التصور في التجارب الشعرية هو كشف عن الأحاسيس الأولية التي ارتبط فيها الشاعر بالحياة والعالم والطبيعة. قد يكون هذا التصور يرتكز على رؤية غنوصية للشعر، ولكن أليس قدر الشاعر أن يوسع من مداركه وأحاسيسه الوجودية عبر هذا التصور أو الرؤية كخيار ضروري للتواصل بالمعنى الشامل للكلمة؟ وبالتالي يكون إحساسه بالكون والطبيعة جزءا لا يتجزأ منها. إن هذا المفهوم في ظني ظل حبيس معوقات التصقت عند بعض التجارب بمفهوم التجريب الشكلي في الشعر، أي أن الشعر عندها يعادل قوة الصورة الشعرية وطرائق تعابيرها، وعند بعضها الآخر بتصورات إيديولوجية أبرزها تكمن في الموقف الوجودي من الشعر الذي ظل موقفا لا ينمو معرفيا بمعزل عن ضغوط المواقف الأخرى من سياسية واجتماعية وثقافية. أي أن الموقف من الشعر لم يشكل فرعا معرفيا له أسئلته وسياقه الفكري والفلسفي داخل ثقافتنا كما في الثقافة الغربية، وإن كانت هناك ومضات عند فلاسفة التراث كابن سينا والفارابي وابن رشد، ولكن في مجمله لم يكن سياقا معرفيا مشدودا إلى نفسه. وينبغي علينا الحذر هنا من الأحكام القيمية التي تكون أداة مريحة عند الباحثين، لذلك على من يحلل هذه السياقات المعرفية في التراث أن ينتبه إلى أن التصورات المركزية التي تتميز بها هي ذات طبيعة ثقافية فلسفية، والشعر وتجاربه المحلية تخضع بطبيعة الحال إلى هذه التصورات. إذن مقاربتنا لهذه التجارب وما ينتج عنها من أحكام جميعها مشروطة بهذه التصورات، وإذا ما اختلفت هذه التصورات كمنطلق للبحث والتقصي أو التساؤل بالتأكيد سوف تكون النتائج والأحكام مختلفة ومتغيرة، لذلك كان البحث في طرح الأسئلة على التجارب وتأزيمها معرفيا هو ما كان ينبغي أن يحتل الصدارة في التحليل في خطابنا النقدي, أكثر من الأحكام والنتائج التي لا يمكن أن تكون نهائية مهما ادعينا خلاف ذلك. أما المفهوم الآخر فيمكن أن نصيغه بالسؤال التالي: ماذا تعنيه عبارة غياب الجسد عن النص الشعري المحلي؟ ويمكن تحديدها أكثر من خلال الحديث عن علاقة الجسد بالكتابة, وهي علاقة ذات طبيعة مجازية فلسفية، وإذا كانت الفلسفة الغربية استطاعت أن تبني من هذه العلاقة تيارا فكريا استطاع أن يؤثر بصورة أو بأخرى على مجرى الأدب الغربي في النصف الأول من القرن العشرين ولا حاجة هنا لذكر التجارب الأدبية والتيارات التي ركزت في تلك الفترة على مفهوم الحرية وعلاقة ذلك بالجسد والكتابة. فإن الأدب العربي بالمقابل لم يحظ بهذا المفهوم لأسباب من أهمها غياب مفهوم الحرية في الدراسات الفلسفية والأدبية والاجتماعية السياسية, بالإضافة لأسباب أخرى تتعلق بالتاريخ الأدبي ليس هنا محل التفصيل فيها. إذن غياب الجسد هو في عمقه بالنسبة لي هو غياب الحرية ليست الحرية كما فهمناها التي تنتهك المقدس، أو تلك التي تختزل الجسد إلى مجرد جنس، وليست هي الحرية فقط في انتقاء الشكل الشعري الأكثر تحررا من القيود، وإنما أيضا تلك الحرية التي تؤسس موقفا ورؤية للجسد خارج إطار أي ثقافة تسلطية مفروضة بالقوة. مدام بوفاري في الرواية الغربية أكبر مثال، عيون إلزا لبول إيلوار كمثال آخر. والكتابة الإبداعية هي الرهان على هذا التأسيس. وقد ترددت مقولات في هذا الصدد تؤكد على أن من المهم لتوسيع مجال الحرية كمدخل لحرية الجسد هو العمل على استثمار الميثولوجي في تشكيل الرؤية الشعرية ضمن تعالقها مع اليومي والثقافي والتاريخي. لكن كيف؟ المثيولوجيا هي بالأساس طفولة الحياة، والشعر كذلك، وهما توأمان ومن نفس الفصيلة، ولا يمكن عزل أحدهما عن الآخر إذا ما أردنا أن نتحدث عن الشعر من وجهته التاريخية. لذلك يصعب أحيانا الفكاك، ولكن ما نقصده هنا بالاستثمار المثيولوجي هو أولا أن يتخذ الشعر موقفا من تراثه الإسلامي كما فعل الشعر الغربي مع تراثه المسيحي، ولا داعي هنا للأمثلة. ثانيا لا يعني ذلك فيما يعنيه اختزال الرؤية إلى الشعر في هذا الاستثمار، وإنما هو مجرد مقترح من مقترحات عديدة تقارب الرؤية الشعرية. هناك من يقترح أن يكون الشعر متخففا من كل الثقل التاريخي والثقافي وأن يظل متوجها إلى الحياة بتعبير أكثر بساطة وسهولة. هناك من يرى أن الرؤية الشعرية هي تأمل وإجابات عن الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى، إلى آخره من المقترحات، ولكن هل يمكن تفضيل رؤية على أخرى؟ بالتأكيد يظل هذا التفضيل نسبيا ولا يمكن تعميمه، وهو يدخل ضمن عناصر تشكل الذائقة عند الشخص. وبالتالي الشيء الوحيد الذي يجمع هذه الرؤى جميعا هو أنها تتعامل مع الكلمات، وكل كلمة لها تاريخ، والروابط أو العلاقات التي يخلقها النص الشعري بين كلماته هي التي تحدد الرؤية الشعرية. Mohmed_z.hotmail.com