محمد الحرز

محمد الحرز

سنحاول في هذه المقالة إجراء قراءة تحليلية , تندرج ضمن ما يمكن تسميته الدراسات الاجتماعية اللغوية الحديثة, على طبيعة مفهوم ( المجتمع الأحسائي) وما ينتجه هذا المفهوم من تصورات استيهامية , لا تنفك تقنع ذهنية الإنسان أو الفرد داخل هذا المجتمع بمقولات مثل وحدة الثقافة , وحدة التفكير والسلوك, وحدة الانتماء الطائفي والقبلي. بمعنى آخر : إننا إزاء مفهوم يطمر في داخله كل علاقة تظهر التنوع والاختلاف والتنافر وحتى التنابذ, كي يرسخ فوقها كل علاقة تتسم بالتماسك والقدرة على استبعاد أي تساؤل يثار حولها. وحينما نقترب من طبيعة هذا المفهوم يمكن القول انه جرى تداول هذا المفهوم بين فئات المجتمع بصورة توحي إلى الالتباس في جانب منها , وإلى التناقض في جانبها الآخر, فكيف جرى ذلك؟ ثمة ما يشبه المجالين بحيث استطاعا استقطاب حياة هذا المفهوم , ومن ثمّ أعادا إنتاجه ثانية وضخه في الحياة الثقافية اليومية للناس.المجال الأول هو ما يمكن أن نطلق عليه مجال التداول السلوكي اليومي, بمعنى : أن الأمكنة المفتوحة التي تتحرك فيها أجسادنا بطريقة هي أقرب ما تكون إلى العفوية واللاشعورية والانفلاتية من كل رقابة تفرضها سلطة القيم الاخلاقية والأدبية والدينية التي يتسم بها المجتمع ذاته , وسواء كان المكان الذي نتحرك من خلاله هو الشارع أو السوق أو العمل , فإن هذه الأمكنة تمثل فضاء خصبا , ينهض على التفاعل المشترك بينه وبيننا بوصفنا ذواتا , تتحرك بفاعلية في محيطه الداخلي , الأمر الذي يؤدي بالتالي- جراء هذا التفاعل- إلى تبلور سلوك لفظي وجسدي , سرعان ما يتحول إلى قيم ثقافية ومفاهيم متعددة ومتداخلة , لها طابع خصوصية المكان نفسه , وكذلك لها سمات اللحظة الزمنية المنبثقة منها أيضا. ويشكل مفهوم ( المجتمع الأحسائي) أحد تلك المفاهيم التي سرعان ما تتحول – بثقل الممارسة- إلى عادات سلوكية اجتماعية , بحيث تصبح بمثابة لغة للحوار بشقيها اللساني والجسدي , بين فئة من الناس هم الأكثر قربا والتصاقا بتأثيرات هذا الفضاء المكاني المفتوح. لنوضح دلالة ما نقول بالمثال التالي: عندما تدخل سوق الخضار فكأنك داخل عالم تتجاذبه جملة من القيم الثقافية والعادات السلوكية التي تحيا وتنمو عبر العلاقة التي تحكم البائع والمستهلك , عبر الطريقة التي يتم من خلالها البيع والشراء , عبر أساليب الدعاية المجانية لجذب المستهلك , عبر التصور الذي يعطى للمال بوصفه أداة شراء, وإذا ما نظرنا أو تأملنا مفهوم ( المجتمع الاحسائي) من منظور القيمة الثقافية للسوق , فإننا نحصل على نتائج أهمها ما يلي: أولا يشكل السوق , في مجمل سماته الثقافية والسلوكية قيمة جزئية تطابق مفهوم ( المجتمع الأحسائي) , وكأن الأخير يدرك تماما أن السوق هو جزء مهم يقودنا إلى التعرف على بعض الجوانب المضمرة للهوية الاجتماعية الأحسائية.ثانيا يتسم هذا المفهوم السوقي- إذا جاز التعبير- بالتداول الحر بين الناس , أي أنه غير مشروط بمرجعيات ثقافية أخرى كالمرجعية الطائفية أو القبلية. إذ يظل التداول مرهونا بثقافة السوق نفسها. أما المجال الثاني للتداول, فيمكن أن نطلق عليه الفضاء المقدس للأماكن المغلقة, والذي يمثل فيه المسجد محوره الأساسي , بل مصدره الثقافي , وليس المقصود هنا الثقافة الإسلامية بأصولها وفروعها , وإنما تلك الثقافة التي تمرر عبر الخطاب اللغوي أو الكلام الشفوي من خلال المظهر السلوكي داخل المكان المقدس. ما معنى ذلك ؟ معناه أن المسجد بوصفه مكانا مقدسا , لا يعتبر رمزا يدل على الهوية الإسلامية فقط, ولا يشكل مصدرا لثقافة الوعي الإسلامي بشكل عام . يضاف إلى ذلك كونه أيضا تنبعث من عمقه ثقافة لا واعية , ثقافة هي في العمق منها مجموعة انعكاسات قوية لسلوك الفرد والجماعة والخطيب أو الشيخ, سواء أكان هذا السلوك لفظيا أو حركيا جسديا , وغالبا ما يكون السلوك اللفظي له القدرة الكبيرة على التأثير بسبب ما يرافقه من عبارات وجمل تبجيلية وتبخيسية ورمزية ذات دلالات ومعان مؤثرة في النفوس, مصدرها في معظم الأحيان المأثورات الشعبية الموروثة أو المتوارثة إلى عصر قريب من التاريخ الأحسائي المعاصر. لذلك نصل من كل ما سبق إلى نتيجة مفادها : أن هناك ثقافتين تتأسسان داخل المسجد . الأولى مصدرها التراث الروحي للإسلام , والأخرى مصدرها الوسط الاجتماعي وعاداته وتقاليده وطرق تعبيره عن المعاش اليومي. من هذا المنظور يبدو أن مفهوم ( المجتمع الأحسائي) بوصفه علاقة دالة تشير إلى هوية الفرد ,فإن هذا الأخير لا يكتسب قيمة ثقافية واحدة ,بل قيمتين ثقافيتين متناقضتين في معظم الحالات بسبب اختلاف مرجعياتهما , وعوامل أخرى لسنا في صدد الحديث عنها الآن .وهو إذ يمارس حياته اليومية لا يشعر بهذا التناقض, لأنه يقبع دائما في العمق من سلوكه وتفكيره. قد يردنا هنا سؤال اعتراضي ينفي فيه أن يكون هذا التحليل يظهر الطابع الخصوصي للمجتمع الأحسائي بحيث يمكن أن ينطبق هذا التحليل على مجتمعات أخرى دون تمايز أو اختلاف في النتائج التي توصل إليها التحليل. بالتأكيد هذا وارد , والتحليل ليس مفصلا على مجتمع بعينه. ولكن أردت من خلال هذا التحليل أن أفتح الباب على جملة من المقدمات البحثية التي تساعدنا كثيرا في فهم الأنماط السلوكية التي تحكم نمط التفكير في حياتنا اليومية. لا يكفي أن نسرد تاريخ مجتمعنا كما أراه حاليا من خلال توثيق حادثة أو موقع أو نسب عائلي, إنما الأهم نحلل عقلية من تركوا لنا هذه الآثار.Mohmed_z.hotmail.com