محمد الحرز

محمد الحرز

أثارت تصريحات الدكتور عبد العزيز السبيل في الأسابيع الماضية ,عن فشل بعض المثقفين في إدارة شؤون الأندية الأدبية, من خلال الاستقالات المتلاحقة التي جاءت من بعضهم , الكثير من ردود الأفعال في الساحة الثقافية , والتي تناقلتها الصحف من هنا وهناك. بعضها جاء مؤيدا له , والبعض الآخر معارض يلقي باللائمة على الوزارة في سوء تشكيل أعضاء المجالس الإدارية للأندية بالأساس. والسؤال الذي أريد أن أطرحه هنا , هل هذه القضية ترتقي إلى مستوى المناقشة والتحليل؟ أو بعبارة أخرى هل يمكن اعتبار هذه المسألة من إحدى الدلائل التي تشير, بصورة أو بأخرى, إلى أزمة المؤسسة في تعاطيها مع قضايا الشأن العام , على وجه العموم, وقضايا الشأن الثقافي على وجه الخصوص؟ ثم ماذا عن مسؤولية المثقفين ودورهم- إذا كان ثمة من دور- النقدي في مجابهة سؤال المؤسسة وتداعياته الاجتماعية والثقافية في الواقع اليومي؟ إن هذه الأسئلة وغيرها لم تعالج من منظور الوعي النقدي, وملامستها من العمق لم ترق إلى المستوى المطلوب في خطاب المثقفين في المملكة. لقد ظلت المؤسسة بمفهومها الشامل( الدينية والاجتماعية والتعليمية والسياسية والثقافية) منظورا إليها كسلطة بمنأى عن المساءلة من طرف مثقفينا, والقليل منهم من قاربها من منظور سوسيولوجي كمحمد بن صنيتان أو متروك الفالح,أو من منظور إصلاحي ديني كعبد العزيز قاسم أو عبد الله الحامد. لكنهم في الغالب الأعم لم يفتحوا الباب واسعا على مجمل الدراسات الفكرية والفلسفية التي تناولت المؤسسة انطلاقا من موقعها داخل السلطة, وانطلاقا كذلك من الإرث التاريخي للسلطة ذاتها. إن ما نريد أن نلفت الانتباه إليه هنا هو كون إشكالية المثقف مع المؤسسات الرسمية في بلده دائما ما تأخذ وجهة غير وجهتها الصحيحة, فنرى التركيز على نتائج الإشكالية تسبق التركيز على الأسباب والعلل التي تنتج المشكلة. فلو رجعنا إلى الأسباب الحقيقية التي تكمن خلف استقالات بعض المثقفين فإنها لا ترجع إلى فشلهم في الإدارة . الفشل هو نتيجة لأسباب تتعدد مرجعياتها. ومن أهمها بالتأكيد غياب خطاب نقدي حول مؤسساتنا , وهذا ما يجعل الوعي بها من الهشاشة والضعف بحيث يصعب عليه فهم المغزى الحقيقي من وجوده داخل المؤسسة باعتباره مثقفا يحمل شعلة التنوير, وباعتباره أيضا مراقبا صارما ومتحفزا ضد طغيان سلطة المؤسسة على تفكيره وقناعاته وحريته وآرائه. بالتأكيد المؤسسة بهذا المعنى غول كبير يبتلع كل شيء أمامه. لكن الخطاب النقدي هو الحصانة التي يمكن أن يمتلكها المثقف ضد مظاهر الابتلاع. وعندما نتأمل تاريخ خطابنا الثقافي النقدي منذ تأسيس وقيام الدولة نلاحظ أن المثقفين الأوائل منذ الثلاثينات والأربعينات القرن الماضي كانوا منخرطين في تحديث هياكل مؤسسات الدولة التعليمية والثقافية, يأتي في هذا السياق العلامة حمد الجاسر, طاهر زمخشري, حسين سرحان وغيرهم. لكن المؤسسة ذاتها لم تكن من التعقيد والمتانة والقوة والسلطة بحيث يتورط هؤلاء في توجهاتها ومساراتها, لذلك لم يشكل الانخراط في المؤسسة عائقا أمامهم كي يبدعوا وينتجوا ويتخذوا بعض الأحيان مواقف متشددة إزاءها. بينما في الوقت الراهن الوضع اختلف مع تطور الدولة بتطور مؤسساتها وتعقد العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحكم هذا التطور من العمق. من هنا تأتي الحاجة إلى تأسيس خطاب نقدي ينهض على أمل تطور مؤسسات الدولة من خلال تأمل وتحليل تصوراتها ورؤاها التي تسبغها على مواقفها تجاه معظم القضايا والأزمات الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية التي نعيشها في الواقع الراهن. وإذا كنا من جهة أخرى نفتقد لمثل هذا الخطاب - فإننا لا ينبغي أن نركن إلى المواقف المسبقة ضد المؤسسة- وأنا هنا أشير بالدرجة الأولى إلى المؤسسة الثقافية المتمثلة بوزارة الثقافة وفروعها من الأندية الأدبية- وضد انفتاحها على المثقفين. البعض من المثقفين الذين رفضوا الانخراط كانت مواقفهم تنطلق من قناعة, والبعض الآخر استسلم للصمت تعبيرا عن رفضه. أما الذين قبلوا ثم بعد فترة ,استقالوا كانت أسباب استقالاتهم حسب رأيهم متنوعة , فالبعض تعذر بالانشغال , والبعض الآخر بالمحسوبيات وعدم جدية الاهتمام بالشأن الثقافي عند بعض الأعضاء , إلى آخره من الأسباب. ربما مقولة «الفشل» في إدارة الأندية هي النتيجة الطبيعية التي تصل إليها الوزارة, لأن قبول المثقف للدخول في المؤسسة بعد المبادرة التي أعلنتها وفقا للقناعة التي تقول على المثقف أن يدير شؤونه الثقافية بنفسه وكأنها تقول له « أهل مكة أدرى بشعابها» , هذا القبول تترتب عليه التزامات واتفاقات ضمنية, لا ينبغي على المثقف أن يتغافلها , فإذا كان المثقف يمتلك أدوات الثقافة فالمؤسسة تمتلك أدوات السلطة , والصراع على امتلاك الواحدة الأخرى هو ما أسميه الاتفاقيات الضمنية بين الاثنين. والمثقف الذي يسعى من داخل المؤسسة في محاولة تقليص آثار هيمنة هذه السلطة من جراء هذا الصراع , فهو الذي يصنع خطابه النقدي انطلاقا من خبرة عملية تستند على أرض الواقع بامتياز.