محمد الحرز

محمد الحرز

عندما يتساءل المرء ما موقف المثقفين العرب من السياسات الاستعمارية التي تتم جدولتها من جديد في العالم العربي الإسلامي؟ لابد أن يصدمنا سؤال آخر هو هل هناك موقف للمثقفين أصلا كي يتم تداوله أو الحديث عنه؟ ناهيك عن الافتراض غير البريء الذي يتضمنه السؤال ذاته. وهو افتراض وثيق الصلة بالمعنى الذي يكمن خلف مفهوم ( الموقف) وما يستدعيه من دلالات من قبيل الإرادة الواحدة والرأي المنسجم مع السلوك أو الفعل, أي حاضنة إيديولوجية تغذي الموقف وتجعله متماسكا من العمق.أخيرا يضاف إلى هذا الافتراض افتراض آخر هو التشكيك في جدوى البحث عن مكانة وأهمية دور المثقف وفاعليته ضد جميع السياسات الاستبدادية والاستعمارية التي تمارسها الدول العظمى بسبب كون المثقف فقد دوره الطليعي كحامل لشعلة التنوير والمعبر عن هموم الناس البسطاء والمهمشين الذين لا يستطيعون الوقوف في وجه السلطة. ولأسباب عديدة- ليس هنا محل ذكرها,- اقتصر دوره على تبرير تلك السياسات أو الدفاع عنها في مطلق الأحوال, وما ينطبق على المثقف الغربي ينطبق كذلك على المثقف العربي, ما عدا استثناءات تلوح من الطرفين بين الحين والآخر. إذن والحالة هذه, كيف يمكن مقاربة السؤال؟ هل هناك وجهة أخرى للنظر يمكن رصدها, ومن ثم الانطلاق للإجابة من خلالها؟ هناك ثلاث مسارات من التصورات ترتبط بالأفكار والخطابات والمواقف التاريخية, التي جسدتها الطبقة المثقفة حيال وعيها التاريخي بالمعترك السياسي والحزبي ابان استقلال البلدان العربية من الاستعمار. أولى هذه المسارات هو الوعي التاريخي في خطاب القوميين العرب وأثره الكبير في فهم المجتمع والثقافة والدين والسياسة. ثاني المسارات هو الوعي التاريخي في خطاب الماركسيين العرب وأثره على فهم طبيعة النضال السياسي والحزبي. وأخيرا مسار الوعي التاريخي في خطاب الإسلاميين وأثره على فهم طبيعة الصراع التاريخي بين أوروبا والإسلام. تحليل هذه المسارات تاريخيا سوف يوصلنا إلى فهم أعمق لمعظم المواقف الأخلاقية والسياسية التي تصايح بها المثقفون العرب بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم , خصوصا ابان الغزو الأمريكي للعراق وتداعياته على المنطقة إلى حدود حرب تموز , وما تبع ذلك من انقسامات حادة بينهم, يبدو للوهلة الأولى للمراقب أنها انقسامات لا تقف عند حدود المواقف والأفكار , بل تتجاوزها إلى ما هو أبعد من ذلك , إلى العداء الطائفي والديني والقبلي والقومي. وإذ نقوم بإعادة وصل الخيط بين تحليل هذه المسارات من جهة , وبين المواقف الحالية للمثقفين العرب , رغم تفتت مفهوم المثقف وانحلاله في حدوده الوظيفية والمهنية بفعل تفتت الثقافات القومية وبروز القوميات المهمشة في مسار العولمة الكونية , ورغم أيضا الانقسام الحاد في هذه المواقف حد التشظي والفوضى من جهة أخرى. فإننا- أولا- مقتنعون تماما من حقيقة كون التاريخ العربي في مرحلة ما بعد الاستعمار تعرض إلى أكبر عملية أدلجة( أي توظيف التاريخ بأثر رجعي) عرفها العصر الحديث بسبب عوامل عديدة, لسنا في صدد الحديث عنها الآن ,وإن كانت تمس بنية التاريخ العربي الإسلامي بالدرجة الأولى. والكشف عن أسباب هذه الأدلجة وأبعادها والآثار التي ترتبت على وجودها , تضعنا مباشرة في فهم تلك المواقف دون أن ننزلق في المماحكات والمساجلات والصراعات التي تدور بينهم سواء على شاشات التلفزة , أو الصحف أو في المنتديات والمؤتمرات.ثانيا مقتنعون تماما من أن الرجوع إلى التاريخ هو حصانة قوية ضد أن تغدو حياتنا الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية مجرد ردود أفعال على ما يجري من حولنا في العالم من تطور بايقاعات سريعة يصعب رصدها, ناهيك عن اللحاق بها. وهو بالتالي رجوع للبحث عن مرجعيات تاريخية تناسب ما يستجد في الحياة العربية من تحولات دون الارتهان لحدودها الزمنية. بخصوص المسار الأول لم يع العرب مكونات هويتهم القومية إلا في إطار وحدود علاقتهم أولا بالهوية التركية وقت الهيمنة للإمبراطورية العثمانية, وتاليا بالهوية القومية التي صُنعت في إطارها الدولة- الأمة للدول الغربية الاستعمارية. لقد أدت هاتان العلاقتان بالعرب إلى وعي قومي مأزوم, اتضح بشكل مباشر في موقف خطاب المثقفين المؤرخين من تاريخهم. هذا الموقف لم تتضح معالمه , ولم يندرج في إطار إيديولوجي متماسك قبل عهد التنظيمات والإصلاحات العثمانية. لكنه سرعان – أثناء ذلك- ما استلهم نظرية الدولة- الأمة كإطار إيديولوجي متخيل في رسم القوميات والحدود في أوروبا, وراح يبحث له بعد التحرر من الاستعمار عن سند إيديولوجي قومي مماثل يرتكز عليه في صناعة مشروع الدولة القطرية وقيامها. وهنا تمت استعادة التاريخ وفق هذا المنظور. هذه الاستعادة فتحت الباب على مصراعيه للكتابات التاريخية التي انطلقت تمجد مفهوم الأمة العربية وخصوصيتها على حساب بقية المفاهيم الأخرى التي يتشكل منها التراث الإسلامي, فبرزت على اثر ذلك مفاهيم أثرت ولا زالت في مجال الوعي السياسي العربي , من أهمها مفهوم الشعوبية , ومفهوم المؤامرة , ومفهوم الاستبداد التركي الذي حجب الوعي السياسي العربي عن التطور في مسألة الحكم والدولة.وما الدراسات التاريخية التي قام عبد العزيز الدوري, وصالح أحمد العلي سوى ملمح يشي بذلك. مثل هذه المفاهيم للأسف لازالت مهيمنة في تفكير بعض المثقفين القوميين. ورغم التطور الذي أصاب الدراسات التاريخية في فهمها للمجتمعات تاريخيا, ورغم أيضا اختلاف السياسات الاستعمارية للدول الغربية بين مرحلتين تاريخيتين إلا أن الوعي القومي لم يتزحزح قيد أنملة في وعيه السياسي وتصديه لتلك السياسات وفق المفاهيم آنفة الذكر. نفس النتيجة سنصل إليها في المسارين الآخرين , ولكن في مقالة قادمة.mohmed_z@hotmail.com